محمد جمال الدين القاسمي
210
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بهم قبل عيسى وبعده . وذلك أن أنبياءهم قبل عيسى كانوا يوبخون رؤساءهم الأشرار وشعبهم على خطاياهم . ولا سيما في عبادتهم الأوثان . وينحصوهم أن يرجعوا إلى اللّه . وينذرونهم بعقابه تعالى الشديد ودمارهم إن لم يتوبوا . كما أنبأهم إرميا عليه السلام بخراب بلدهم ، وقضائه تعالى الهائل عليهم ، إن أصرّوا على طغيانهم . فما استمعوا له . حتى روي أنه ختم له بالشهادة . إذ رجمته اليهود بمصرّ عتوّا واستكبارا . ثم سلط اللّه عليهم بختنصر ، ملك بابل ، وسبى شعبهم وهدمت جنوده مدينتهم بيت المقدس وهيكلها . وصار تلال خراب . وذلك لاستئصال كفرهم وشرورهم ، وتطهير هيكلهم من نجاسة أوثانهم . فحلّ عليهم من البابلية الشقاء والويل . وأخذوا أسرى إلى ما وراء الفرات . ولم يترك منهم إلّا الفقراء فقط ، وبذلك انتهى ملكهم ، وكان ذلك قبل ولادة عيسى عليه السلام بنحو خمسمائة وثمان وثمانين سنة . ثم تاب اللّه عليهم ورحمهم من سبيهم ، وأعادهم برحمته إلى مدينتهم بيت المقدس . بعد أن أقاموا في بابل سبعين سنة . وابتدءوا ببناء هيكلهم ثانية . وأرجعوا العبادة إليه . وقام حزقيال عليه السلام بوعظهم وتهذيبهم ودعوتهم إلى التوبة وتذكيرهم بما مضى ليعتبروا . وهكذا كل نبيّ فيهم ، لم يزل ينذرهم ويدعوهم إلى اللّه إلى أن بعث اللّه عيسى عليه السلام . فعموا عن الاهتداء به وصمّوا عن وعظه ، وكان ما كان من همّهم بقتله . فدمرهم اللّه بعد ذلك وأباد مملكتهم . وطردوا من أرضهم بعد رفع عيسى عليه السلام بنحو أربعين سنة . وأخذ الرومانيون مدينتهم وهدموها مع الهيكل . وحلت عليهم نقمة اللّه فتفرقوا شذر مذر . هذا ، وما قيل بأن قوله تعالى فَعَمُوا وَصَمُّوا إشارة إلى عبادتهم العجل - فإنه بعيد . لأنها ، وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم ، لكنها في عصر موسى عليه السلام . ولا تعلّق لها بما حكي عنهم مما فعلوا بالرسل الذين جاءوهم بعده عليه السلام بأعصار . وكذا ما قيل بأن قوله تعالى : ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا إشارة إلى طلبهم الرؤية - فبعيد أيضا ، لما ذكرنا . وفنون الجنايات الصادرة عنهم لا تكاد تتناهى . خلا أنّ انحصار ما حكي عنهم هاهنا في المرتين ، وترتبه على حكاية ما فعلوا بالرسل عليهم السلام ، يقضي بأن المراد ما ذكرناه . واللّه عنده علم الكتاب . كذا أفاده أبو السعود . ونحن نوافقه على ما رآه . بيد أنّ ما سقناه في التنبيه أظهر في ما جرياتهم ، وأشد مطابقة لما في تواريخهم ، مما ساقه هنا . فتثبّت . ويرحم اللّه الإمام القفال حيث قال : ذكر اللّه تعالى في سورة ( بني إسرائيل )