محمد جمال الدين القاسمي
207
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
جمع بين الحقيقة والمجاز ، ودفع بأن الثبات على الإيمان ليس غير الإيمان ، بل هو وإحداثه فردان من مطلقه . والوجه الأول . إذ في ضمّ المؤمنين إلى الكفرة إخلال بتكريمهم ، قاله الخفاجيّ . قال أبو السعود : أما على تقدير كون المراد ب الَّذِينَ آمَنُوا مطلق المتدينين بدين الإسلام ، المخلصين منهم والمنافقين فالمراد ب مَنْ آمَنَ من اتصف منهم بالإيمان الخالص على الإطلاق ، سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه - كما هو شأن المخلصين . أو بطريق إحداثه وإنشائه - كما هو حال من عداهم من المنافقين وسائر الطوائف . وفائدة التعميم للمخلصين المبالغة في ترغيب الباقين في الإيمان ، ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به غير مخلّ بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين الأعلام . انتهى . الثالثة : قال الرازيّ : لما بيّن تعالى أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا ، بيّن أن هذا الحكم عام في الكل ، وأنه لا يحصل لأحد فضيلة ولا منقبة إلا إذا آمن باللّه واليوم الآخر وعمل صالحا ، وذلك لأن الإنسان له قوتان : القوة النظرية والقوة العملية . أما كمال القوة النظرية فليس إلا بأن يعرف الحق . وأما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير . وأعظم المعارف شرفا معرفة أشرف الموجودات وهو اللّه سبحانه وتعالى . وكمال معرفته إنما يحصل بكونه قادرا على الحشر والنشر ، فلا جرم كان أفضل المعارف هو الإيمان باللّه واليوم الآخر . وأفضل الخيرات في الأعمال أمران : المواظبة على الأعمال المشعرة بتعظيم المعبود ، والسعي في إيصال النفع إلى الخلق . ثم بين تعالى أن كل من أتى بهذا الإيمان وبهذا العمل ، فإنه يرد يوم القيامة من غير خوف ولا حزن . والفائدة في ذكرهما : أن الخوف يتعلق بالمستقبل ، والحزن بالماضي ، فقال : فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بسبب ما يشاهدون من أهوال القيامة وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بسبب ما فاتهم من طيّبات الدنيا ، لأنهم وجدوا أمورا أعظم وأشرف وأطيب . ( فإن قيل ) : كيف يمكن خلوّ المكلف ، الذي لا يكون معصوما ، عن أهوال يوم القيامة ؟ فالجواب من وجهين : الأول - أنه تعالى شرط ذلك بالعمل الصالح . ولا يكون آتيا بالعمل الصالح إلّا إذا كان تاركا لجميع المعاصي . والثاني - أنه إذا حصل خوف ، فذلك عارض قليل لا يعتد به . انتهى . ثم بين تعالى بعضا آخر من جناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم بقوله :