محمد جمال الدين القاسمي

205

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الذي يفهم من الآية أنهم يكونون على شيء من الدين ، وهو - ولا شك - خير من لا شيء . ولا يفهم أنهم يكونون على الحق كله وعلى الدين الكامل الذي لا غاية أعظم منه ، فإن ذلك لا يكون إلّا بالإسلام أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [ آل عمران : 83 ] . انتهى . ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل ، آمنوا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم . لما تتقاضى إقامتهما الإيمان به . إذ كثر ما جاء فيهما من البشارات به والتنويه باسمه ودينه . فإقامتهما على وجوههما تستدعي الإسلام البتة ، بل هي هو ، واللّه الموفق . . . وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي : القرآن المجيد بالإيمان به . وفي التعبير بقوله تعالى لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ من التحقير والتصغير ما لا غاية وراءه . كما تقول : هذا ليس بشيء ! تريد غاية تحقيره وتصغير شأنه . وفي أمثالهم : أقل من لا شيء . أي : لستم على دين يعتد به حتى يسمى شيئا ، لفساده وبطلانه . ثم بيّن تعالى غلوّهم في العناد وعدم إفادة التبليغ فقال : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً . أي تماديا وَكُفْراً أي ثباتا على الكفر فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي : فإذا بالغت في تبليغ ما أنزل إليك ، فرأيت مزيد طغيانهم وكفرهم ، فلا تحزن عليهم لغاية خبثهم في ذواتهم ، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك ، وفي المؤمنين غنى عنهم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 69 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 69 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما يستقبلهم من العذاب وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي : في الآخرة إذا خاف المقصرون وحزنوا على تضييع العمر . . لطائف : الأول : ( الصابئون ) رفع على الابتداء . وخبره محذوف . والنية به التأخير عما في حيز ( إن ) من اسمها وخبرها . كأنه قيل : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا . والصائبون كذلك ، وأنشد سيبويه شاهدا له : وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق