محمد جمال الدين القاسمي

172

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

مؤمن ، فهي من لوازم الإيمان وشروطه ، والناس فيها متفاوتون بحسب تفاوت إيمانهم ، وإذا كان كذلك ، وجب تفسير محبة العبد للّه بمعناها الحقيقيّ لغة ، وكانت الطاعة والموافقات كالمسبب عنها والمغاير لها . ألا ترى إلى الأعرابيّ الذي سأل عن الساعة ؟ فقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : ما أعددت لها ؟ قال : ما أعددت لها كبير عمل . ولكن حب اللّه ورسوله . فقال عليه الصلاة والسلام : أنت مع من أحببت . فهذا الحديث ناطق بأن المفهوم من المحبة للّه غير الأعمال والتزام الطاعات ، لأن الأعرابيّ نفاها وأثبت الحب ، وأقره عليه الصلاة والسلام على ذلك . ثم إذا ثبت إجراء محبة العبد للّه تعالى على حقيقتها لغة ، فالمحبة في اللغة . إذا تأكدت سميت عشقا ، فمن تأكدت محبته للّه تعالى ، وظهرت آثار تأكدها عليه من استيعاب الأوقات في ذكره وطاعته - فلا تمنع أن تسمى محبته عشقا ، إذ العشق ليس إلا المحبة البالغة . انتهى . الثالث : قوله تعالى : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ . قال ابن كثير : هذه صفات المؤمنين الكمل ، أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليّه ، متعززا على خصمه وعدوّه ، كما قال تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] . قال الزمخشريّ : فإن قلت : هلا قيل : أذلة للمؤمنين ؟ قلت فيه وجهان : ( أحدهما ) أن يضمن الذل معنى الحنوّ والعطف كأنه قيل : عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع . و ( الثاني ) أنهم - مع شرفهم وعلوّ طبقتهم وفضلهم على المؤمنين - خافضون لهم أجنحتهم . وقرئ ( أذلة وأعزة ) بالنصب على الحال . وفي ( الحواشي ) : أن قوله تعالى : أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ تكميل . لأنه لما وصفهم بالتذلل ، ربما توهم أن لهم في نفسهم حقارة . فقال : ومع ذلك هم أعزة على الكافرين ، كقوله : جلوس في مجالسهم رزان * وإن ضيف ألمّ بهم خفوف واستدل بالآية على فضل التواضع للمؤمنين والشدة على الكفار . الرابعة : قوله تعالى : وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ . قال الزمخشريّ : يحتمل أن تكون ( الواو ) للحال على معنى : أنهم يجاهدون ، وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين ، فإنهم كانوا موالين لليهود . فإذا خرجوا