محمد جمال الدين القاسمي
162
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 51 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 51 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ أي : لا يتخذ أحد منكم أحدا منهم وليّا ، بمعنى : لا تصافوهم ولا تعاشروهم مصافاة الأحباب ومعاشرتهم . قال المهايميّ : إذا كان تودد أهل الكتاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لقصد افتتانه عن بعض ما أنزل اللّه مع غاية كماله ، فكيف حال من يتودد إليهم من المؤمنين ؟ انتهى . ووصفهم بعنوان ( الإيمان ) لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه . فإن تذكير اتصافهم بضد صفات الفريقين ، من أقوى الزواجر عن موالاتهما . بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إيماء إلى علة النهي . أي : فإنهم متفقون على خلافكم ، يوالي بعضهم بعضا لاتحادهم في الدين . وإجماعهم على مضادتكم . فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم ! ! وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ أي : من جملتهم . وحكمه حكمهم وإن زعم أنه مخالف لهم في الدين ، فهو بدلالة الحال منهم لدلالتها على كمال الموافقة . قال الزمخشري : وهذا تغليظ من اللّه وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله . كما قال « 1 » رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا تراءى ناراهما . ومنه قول عمر رضي اللّه عنه لأبي موسى في كاتبه النصرانيّ لا تكرموهم إذ أهانهم اللّه . ولا تأمنوهم إذ خوّنهم اللّه . ولا تدنوهم إذ أقصاهم اللّه . وروي أنه قال له أبو موسى : ( لا قوام للبصرة إلّا به ) فقال : مات النصراني والسلام . يعني : هب أنه قد مات ، فما كنت تكون صانعا حينئذ ، فاصنعه الساعة واستغن عنه بغيره . إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يعني : الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة . روى ابن أبي حاتم عن ابن سيرين قال : قال عبد اللّه بن عتبة : ليتق أحدكم أن
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الجهاد ، 95 - باب على ما يقاتل المشركون ، حديث 2645 ونصه : عن جرير بن عبد الله قال : بعث رسول الله صلى اللّه عليه وسلم سريّة إلى خثعم فاعتصم ناس منهم بالسجود . فأسرع فيهم القتل . قال ، فبلغ ذلك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل . وقال « أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين » قالوا : يا رسول الله ! لم ؟ قال « لا تراءى ناراهما » .