محمد جمال الدين القاسمي
150
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الثاني - قوله تعالى : وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ والمعطوفات بعده ، كلها قرئت منصوبة ومرفوعة ، والرفع للعطف على محل أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ لأن المعنى : وكتبنا عليهم النفس بالنفس ، إما لإجراء ( كتبنا ) مجرى ( قلنا ) وإما لأن معنى الجملة التي هي قولك ( النّفس بالنّفس ) مما يقع عليه ( الكتب ) كما تقع عليه ( القراءة ) ، تقول : كتبت الحمد للّه ، وقرأت سورة أنزلناها . ولذلك قال الزجاج : لو قرئ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ بالكسر لكان صحيحا . كذا في ( الكشاف ) . وقد توسع الخفاجيّ في ( العناية ) في بحث الرفع - هنا - على عادته في النحويات فانظره إن شئت . روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذيّ « 1 » والحاكم عن أنس بن مالك : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ نصب النفس ورفع العين ، قال الترمذيّ : حسن غريب . وقال البخاريّ : تفرد ابن المبارك بهذا الحديث . الثالث : استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا - إذا حكي مقررا ولم ينسخ ؛ كما هو المشهور عن الجمهور ، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الأسفرايينيّ عن نص الشافعيّ وأكثر أصحابه - بهذه الآية . حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة . وقال الحسن البصريّ : هي عليهم وعلى الناس عامة . رواه ابن أبي حاتم . وقد حكى الإمام أبو منصور بن الصباغ في كتابه ( الشامل ) اجتماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه . الرابع : قال ابن كثير : احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة . بعموم هذه الآية الكريمة . وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره ؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتب في كتاب عمرو بن حزم « 2 » : أن الرجل يقتل بالمرأة . و في الحديث الآخر « 3 » : المسلمون تتكافأ دماؤهم . وهذا قول جمهور العلماء .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في : القراءات ، 1 - حدثنا علي بن حجر . ( 2 ) أخرجه الإمام مالك في الموطأ : الأمر بالوضوء لمن مس القرآن ، الحديث رقم 1 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في : الديات ، 11 - باب أيقاد المسلم بالكافر ، حديث رقم 4530 ونصه : عن قيس بن عباد قال : انطلقت أنا والأشتر إلى علي عليه السلام . قلنا : هل عهد إليك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم شيئا لم يعهده إلى الناس عامة ؟ قال : لا . إلا ما في كتابي هذا . قال ، فأخرج كتابا من قراب سيفه ، فإذا فيه : « المؤمنون تكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم ، ألا لا يقتل مؤمن بكافر ، ولا ذو عهد في عهده ، من أحدث حدثا فعلى نفسه . ومن أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين » .