محمد جمال الدين القاسمي
146
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
لخشية سلطان ظالم ، أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء . وقال أبو السعود : خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات . وأما حكام المسلمين فيتناولهم النهي بطريق الدلالة دون العبارة . والفاء لترتيب النهى على ما فصل من حال التوراة وكونها معتنى بشأنها فيما بين الأنبياء عليهم السلام ، ومن يقتدي بهم من الربانيين والأحبار المتقدمين عملا وحفظا . فإن ذلك مما يوجب الاجتناب عن الإخلال بوظائف مراعاتها والمحافظة عليها بأيّ وجه كان . فضلا عن التحريف والتغيير . ولما كان مدار جراءتهم علي ذلك ، خشية ذي سلطان أو رغبة في الحظوظ الدنيوية ، نهوا عن كل منهما صريحا ، أي إذا كان شأنها كما ذكر فلا تخشوا الناس كائنا من كانوا ، واقتدوا في مراعاة أحكامها وحفظها بمن قبلكم من الأنبياء وأشياعهم وَاخْشَوْنِ في مخالفة أمري والإخلال بحقوق مراعاتها وَلا تَشْتَرُوا أي تستبدلوا بِآياتِي أي التي فيها ، بأن تتركوا العمل بها وتأخذوا لأنفسكم بدلا منها ثَمَناً قَلِيلًا من الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس ، فإنها - وإن جلّت - قليلة مسترذلة في نفسها ، لا سيما بالنسبة إلى ما فات عنهم بترك العمل بها وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي كائنا من كان ، دون المخاطبين خاصة ، فإنهم مندرجون فيه اندراجا أوليّا . أي : من لم يحكم بذلك مستهينا به ، منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه اقتضاء بيّنا فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ لاستهانتهم به . والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها أبلغ تقرير ، وتحذير عن الإخلال به أشدّ تحذير . حيث علق فيه الحكم بالكفر بمجرد ترك الحكم بنا أنزل اللّه تعالى . فكيف وقد انضمّ إليه الحكم بخلافه ؟ لا سيما مع مباشرة ما نهوا عنه من تحريفه ووضع غيره موضعه ، وادعاء أنه من عند اللّه ليشتروا به ثمنا قليلا . قاله أبو السعود . تنبيهات : الأول : في قوله تعالى فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ دلالة على أنّ على الحاكم أن لا تأخذه في اللّه لومة لائم . الثاني : في قوله تعالى وَلا تَشْتَرُوا . . . إلخ دلالة على تحريم الرشا على التبديل . وكتمان الحقّ ، وأنّ فعل ذلك ، لغرض دنيوي من طلب جاه ، أو مال - محرّم . الثالث : في قوله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ الآية ، تغليظ في الحكم بخلاف المنصوص عليه ، حيث علق عليه الكفر هنا ، والظلم والفسق بعد .