محمد جمال الدين القاسمي

140

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال ابن كثير : قيل : نزلت في قوم من اليهود قتلوا قتيلا وقالوا تعالوا نتحاكم إلى محمد . فإن حكم بالدية فاقبلوه . وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه . والصحيح أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا . وكانوا قد بدلوا كتاب اللّه الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم . فحرفوا واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين . فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة قالوا فيما بينهم : تعالوا حتى نتحاكم إليه . فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه واجعلوه حجة بينكم وبين اللّه . ويكون نبيا من أنبياء اللّه قد حكم بذلك . و قد وردت الأحاديث بذلك : فروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال « 1 » : جاءت اليهود إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم ؟ فقالوا : نفضحهم ويجلدون . فقال عبد اللّه بن سلام : كذبتم . إنّ فيها الرجم . فأتوا بالتوراة فنشروها . فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها . فقال له عبد اللّه بن سلام : ارفع يدك . فرفع يده فإذا آية الرجم . فقالوا : صدق ، يا محمد ، فيها آية الرجم . فأمر بهما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فرجما . فقال عبد اللّه بن عمر : فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة . وأخرجاه في الصحيحين « 2 » . وهذا لفظ الموطأ . و روى الإمام أحمد « 3 » عن البراء بن عازب قال : مرّ على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيهودي محمّم مجلود . فدعاهم فقال : هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقالوا : نعم . فدعا رجلا من علمائهم فقال : أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى ! هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقال : لا ، واللّه ! ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك ، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم . ولكنه كثر في أشرافنا . فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه . وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد . فقلنا : تعالوا حتى نجعل شيئا نقيمه على الشريف والوضيع . فاجتمعنا على التحميم والجلد . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : اللهم ! إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه قال : فأمر به فرجم قال : فأنزل اللّه عز وجل :

--> ( 1 ) أخرجه في الموطأ في : الحدود ، حديث رقم 1 . ( 2 ) أخرجه البخاري في : الحدود ، 37 - باب أحكام أهل الذمة وإحصانهم إذا زنوا ورفعوا إلى الإمام ، حديث 704 . ومسلم في : الحدود ، 6 - باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى ، حديث 26 . ( 3 ) أخرجه في المسند 4 / 286 .