محمد جمال الدين القاسمي
132
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
مالك رحمه اللّه : وقطع عثمان رضي اللّه عنه في أترجة قوّمت بثلاثة دراهم . وهو أحب ما سمعت في ذلك . قال أصحاب مالك : ومثل هذا الصنيع يشتهر ولم ينكر . فمن مثله يحكي الإجماع السكوتي . وفيه دلالة على القطع في الثمار ، خلافا للحنفية ، وعلى اعتبار ثلاثة دراهم خلافا لهم في أنه لا بد من عشرة دراهم ، وللشافعية في اعتبار ربع دينار ، واللّه أعلم . وذهب الشافعي رحمه اللّه إلى أن الاعتبار في قطع يد السارق بربع دينار أو ما يساويه من الأثمان أو العروض فصاعدا ، والحجة في ذلك ما أخرجه الشيخان « 1 » من طريق الزهري عن عمرة عن عائشة رضي اللّه عنها : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا . ولمسلم « 2 » عنها أيضا : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : لا تقطع يد السارق إلّا في ربع دينار فصاعدا . قال الشافعية : هذا الحديث فاصل في المسألة ، ونصّ في اعتبار ربع الدينار لا ما سواه . قالوا : وحديث ثمن المجنّ ، وإن كان ثلاثة دراهم ، لا ينافي هذا ، لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهما . فهي ثمن ربع دينار فأمكن الجمع بهذا الطريق . ويروى هذا المذهب عن عمر وعثمان وعلي رضي اللّه عنهم . وبه يقول عمر بن عبد العزيز والليث والأوزاعي وإسحاق ( في رواية عنه ) وأبو ثور وداود الظاهري ، رحمهم اللّه . وذهب الإمام أحمد وإسحاق ( في رواية ) إلى أنّ كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مردّ شرعي . فمن سرق واحدا منهما أو ما يساويه قطع ، عملا بحديث ابن عمر وبحديث عائشة . ووقع في لفظ عند الإمام أحمد « 3 » عن عائشة : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك . وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم ، والدينار اثني عشر درهما . وفي لفظ للنسائي « 4 » : لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن . قيل لعائشة : ما ثمن المجنّ ؟ قالت : ربع دينار . فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم ، واللّه أعلم . وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه ، وكذا سفيان الثوري ، فإنهم ذهبوا إلى أن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الحدود ، 13 - باب قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما ، حديث 2510 . ومسلم في : الحدود ، حديث 1 - 3 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الحدود ، حديث 4 . ( 3 ) أخرجه في المسند 6 / 80 . ( 4 ) أخرجه النسائي في : السارق ، 9 - باب ذكر الاختلاف على الزهري .