محمد جمال الدين القاسمي
126
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ومعناه . فإن كثيرا من اضطراب الناس في هذا الباب هو بسبب ما وقع من الإجمال والاشتراك في الألفاظ ومعانيها ، حتى تجد أكثرهم لا يعرف في هذا الباب فصل الخطاب . فلفظ الوسيلة مذكور في القرآن في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وفي قوله تعالى : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً [ الإسراء : 56 - 57 ] . فالوسيلة التي أمر اللّه أن تبتغي إليه ، وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها إليه ، هي ما يتقرب به إليه من الواجبات والمستحبات ، فهذه الوسيلة التي أمر اللّه المؤمنين بابتغائها تتناول كل واجب ومستحب ، وما ليس بواجب ولا مستحب لا يدخل في ذلك ، سواء كان محرما أو مكروها أو مباحا ، فالواجب والمستحب هو ما شرعه الرسول فأمر به أمر إيجاب واستحباب . وأصل ذلك الإيمان بما جاء به الرسول . فجماع الوسيلة التي أمر اللّه الخلق بابتغائها ، هو التوسل إليه باتباع ما جاء به الرسول ، لا وسيلة لأحد إلى اللّه إلّا ذلك . و ( الثاني ) لفظ الوسيلة في الأحاديث الصحيحة كقوله صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : « سلوا اللّه لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلّا لعبد من عباد اللّه . وأرجوا أن أكون أنا ذلك العبد . فمن سأل اللّه لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة » . و قوله : « من قال حين يسمع النداء « 2 » : اللهم ! رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ! آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته ، حلت له شفاعتي يوم القيامة » . فهذه الوسيلة للنبي صلى اللّه عليه وسلم خاصة . قد أمرنا أن نسأل اللّه له هذه الوسيلة . وأخبرنا أنها لا تكون إلا لعبد من عباد اللّه . وهو يرجو أن يكون ذلك العبد ، وهذه الوسيلة أمرنا أن نسألها للرسول صلى اللّه عليه وسلم . وأخبرنا أن من سأل له الوسيلة فقد حلت عليه الشفاعة يوم القيامة . لأن الجزاء من جنس العمل . فلما دعوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم استحقوا أن يدعو هو لهم . فإن الشفاعة نوع من الدعاء . كما قال « 3 » : إنه من صلى عليه مرة صلى اللّه عليه بها عشرا . وأما التوسل بالنبي صلى اللّه عليه وسلم والتوجه به في كلام الصحابة ، فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته . والتوسل به في عرف كثير من المتأخرين يراد به الإقسام به
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الصلاة ، حديث 11 عن عبد الله بن عمرو بن العاص . ( 2 ) أخرجه البخاري في : الأذان ، 8 - باب الدعاء عند النداء ، حديث 392 ، عن جابر بن عبد الله . ( 3 ) أخرجه مسلم في : الصلاة ، حديث 11 عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، ضمن حديث طويل .