محمد جمال الدين القاسمي
110
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قال الناصر في ( الانتصاف ) : فأما إرادته لإثم أخيه وعقوبته فمعناه : إني لا أريد أن أقتلك فأعاقب . ولمّا لم يكن بدّ من إرادة أحد الأمرين ، إمّا إثمه بتقدير أن يدفع عن نفسه فيقتل أخاه ، وإمّا إثم أخيه بتقدير أن يستسلم - وكان غير مريد للأول ، اضطر إلى الثاني ، فلم يرد إذا إثم أخيه لعينه ، وإنما أراد أنّ الإثم هو بالمدافعة المؤدية إلى القتل - ولم تكن حينئذ مشروعة - فلزم من ذلك إرادة إثم أخيه . وهذا ، كما يتمنّى الإنسان الشهادة . ومعناها أن يبوء الكافر بقتله وبما عليه في ذلك من الإثم ، ولكن لم يقصد هو إثم الكافر لعينه ، وإنما أراد أن يبذل نفسه في سبيل اللّه رجاء إثم الكافر بقتله ضمنا وتبعا . والذي يدل على ذلك ؛ أنّه لا فرق في حصول درجة الشهادة وفضيلتها بين أن يموت القاتل على الكفر وبين أن يختم له بالإيمان ، فيحبط عنه إثم القتل الذي به كان الشهيد شهيدا . أعني بقي الإثم على قاتله ، أو حبط عنه ، إذ ذلك لا ينتقص من فضيلة شهادته ولا يزيدها ، ولو كان إثم الكافر بالقتل مقصودا لاختلف التمني باعتبار بقائه وإحباطه ، فدلّ على أنه أمر لازم تبع ، لا مقصود . واللّه أعلم . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 30 ] فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ أي : رخصت وسهلت له نفسه . والتصريح بأخوّته لكمال تقبيح ما سوّلته نفسه . أي : الذي حقه أن يحفظه من كل من قصده بالسوء بالتحمل على نفسه فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ دينا ، إذ صار كافرا حاملا للدماء إلى يوم القيامة . ودنيا ، إذ صار مطرودا مبغضا للخلائق . و قد أخرجه الجماعة - غير أبي داود - عن عبد اللّه بن مسعود قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : « لا تقتل نفس ظلما إلّا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها . لأنه كان أول من سنّ القتل » . انتهى . ولما قتله لم يدر ما يصنع به من إفراط حيرته .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : الأنبياء ، 1 - باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته ، حديث 1575 .