محمد جمال الدين القاسمي

93

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لا حلف في الإسلام وأيّما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة . وروى الإمام أحمد « 1 » عن قيس بن عاصم أنه سأل النبيّ صلى اللّه عليه وسلم عن الحلف ؟ قال فقال : ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به . ولا حلف في الإسلام . ورواه أيضا « 2 » عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : لما دخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة عام الفتح ، قام خطيبا في الناس ، فقال : يا أيها الناس ! ما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة . ولا حلف في الإسلام . قال ابن الأثير : الحلف في الأصل المعاقدة والمعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق . فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام بقوله صلى اللّه عليه وسلم : لا حلف في الإسلام . وما كان منه في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيّبين وما جرى مجراه ، فذلك الذي قال فيه صلى اللّه عليه وسلم : وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة . يريد من المعاقدة على الخير ونصرة الحق . وبذلك يجتمع الحديثان . وهذا هو الحلف الذي يقتضيه الإسلام . والممنوع منه ما خالف حكم الإسلام . انتهى . قال الحافظ ابن كثير : كان هذا ، أي التوارث بالحلف ، في ابتداء الإسلام . ثم نسخ بعد ذلك وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا ولا ينشئوا بعد هذه الآية معاقدة . روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل ويقول : وترثني وأرثك . كان الأحياء يتحالفون فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كل حلف في الجاهلية أو عقد أدركه الإسلام ، فلا يزيده إلا شدة . ولا عقد ولا حلف في الإسلام . فنسختها هذه الآية : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ * [ الأنفال : 75 ] . وروى أبو داود « 3 » عن ابن عباس في هذه الآية : كان الرجل يحالف الرجل وليس

--> قال الزهري : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لم يصب الإسلام حلفا إلا زاده شدة ، ولا حلف في الإسلام » وقد ألّف رسول الله صلى اللّه عليه وسلم بين قريش والأنصار . وأخرجه مسلم في : فضائل الصحابة ، حديث 206 . ( 1 ) أخرجه في المسند 5 / 61 . ( 2 ) حديث رقم 6917 ونصه : « كل حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة ، ولا حلف في الإسلام » . ( 3 ) أخرجه في : الفرائض ، 16 - باب نسخ ميراث العقد بميراث الرحم ، حديث 2921 .