محمد جمال الدين القاسمي
88
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ناراً أي هائلة شديدة العذاب وَكانَ ذلِكَ أي إصلاؤه النار عَلَى اللَّهِ يَسِيراً هينا عليه ، لا عسر فيه ولا صارف عنه . لأنه تعالى : لا يعجزه شيء . قال النسفيّ : وهذا الوعيد في حق المستحل للتخليد . وفي حق غيره ، لبيان استحقاقه دخول النار مع وعد اللّه بمغفرته . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 31 ] إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ( 31 ) إِنْ تَجْتَنِبُوا أي تتركوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ أي كبائر الذنوب التي نهاكم الشرع عنها ، مما ذكر هاهنا ومما لم يذكر نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي صغائر ذنوبكم ، ونمحها عنكم ، وندخلكم الجنة . كما قال تعالى وَنُدْخِلْكُمْ في الآخرة مُدْخَلًا كَرِيماً أي حسنا وهي الجنة . و ( مدخلا ) قرئ بضم الميم ، اسم مكان أو مصدر ميميّ . أي إدخالا مع كرامة . وبفتح الميم ، وهو أيضا يحتمل المكان والمصدر . وفي الآية دليل على أن الصغائر تكفر باجتناب الكبائر . وردّ على من قال : إن المعاصي كلها كبائر ، وإنه لا صغيرة . قال الإمام ابن القيّم في ( الجواب الكافي ) : قد دل القرآن والسنة وإجماع الصحابة ، والتابعين بعدهم ، والأئمة ، على أن من الذنوب كبائر وصغائر . قال اللّه تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ . وقال تعالى : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [ النجم : 32 ] . وفي الصحيح « 1 » عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر . وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات : إحداها أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها والقيام بحقوقها . بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية . الثانية - أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر . الثالثة - أن تقوى على تكفير الصغائر وتبقي فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر . فتأمل هذا فإنه يزيل عنك إشكالات كثيرة .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : الطهارة ، حديث 18 .