محمد جمال الدين القاسمي
75
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قد قلت للشيخ لما طال مجلسه * يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس ؟ هل لك في رخصة الأطراف آنسة * تكون مثواك حتى مصدر الناس ؟ فقال : إنا للّه وإنا إليه راجعون . واللّه ! ما بهذا أفتيت ولا أحللت ، إلا مثل ما أحل اللّه الميتة والدم . وقال الإمام شمس الدين بن القيّم رضوان اللّه عليه في ( زاد المعاد ) في الكلام على ما في غزوة الفتح من الفقه ، ما نصه : ومما وقع في هذه الغزوة إباحة متعة النساء . ثم حرمها صلى اللّه عليه وسلم قبل خروجه من مكة . واختلف في الوقت الذي حرمت فيه المتعة على أربعة أقوال : أحدها - إنه يوم خيبر . وهذا قول طائفة من العلماء . منهم الشافعيّ وغيره . والثاني - إنه عام فتح مكة . وهذا قول ابن عيينة وطائفة . والثالث - إنه عام حنين . وهذا في الحقيقة هو القول الثاني - لاتصال غزاة حنين بالفتح . والرابع - إنه عام حجة الوداع . وهو وهم من بعض الرواة . سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع . وسفر الوهم من زمان إلى زمان ومن مكان إلى مكان ومن واقعة إلى واقعة ، كثيرا ما يعرض للحفاظ فمن دونهم . والصحيح أن المتعة إنما حرمت عام الفتح . لأنه قد ثبت في صحيح مسلم « 1 » أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بإذنه . ولو كان التحريم زمن خيبر لزم النسخ مرتين . وهذا لا عهدة بمثله في الشريعة البتة . ولا يقع مثله فيها . وأيضا ، فإن خيبر لم يكن فيها مسلمات . وإنما كن يهوديات . وإباحة نساء أهل الكتاب لم تكن ثبتت بعد . إنما أبحن بعد ذلك في سورة المائدة بقوله : الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ المائدة : 5 ] . وهذا متصل بقوله : الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . [ المائدة : 3 ] . وبقوله : الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ . وهذا كان في آخر الأمر بعد حجة الوداع ، أو فيها . فلم تكن إباحة نساء أهل الكتاب ثابتة من خيبر . ولا كان للمسلمين رغبة في الاستمتاع . ونساء عدوهم قبل الفتح وبعد الفتح ، استرق من استرق منهم وصرن إماء المسلمين . فإن قيل : فما تصنعون بما ثبت في الصحيحين من حديث عليّ بن أبي طالب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن متعة النساء .
--> ( 1 ) أخرجه في صحيحه في : النكاح ، 3 - باب نكاح المتعة ، حديث 13 ونصه : عن جابر وسلمة بن الأكوع قالا : خرج علينا منادي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أذن لكم أن تستمتعوا . يعني متعة النساء .