محمد جمال الدين القاسمي

62

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

حامل من الزنى . فأتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فذكر ذلك له . فقضى لها بالصداق وفرق بينهما . وأمر بجلدها . وقال : الولد عبد لك ، والصداق في مقابلة البضع . ثم بين تعالى من يحرم نكاحهن من النساء ، ومن لا يحرم . فقال سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 22 ] وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً ( 22 ) وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ بنكاح أو ملك يمين . وإن لم يكنّ أمهاتكم إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ أي سوى ما قد مضى في الجاهلية فإنه معفوّ لكم ولا تؤاخذون به إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً أي خصلة قبيحة جدّا ، لأنه يشبه نكاح الأمهات وَمَقْتاً أي بغضا عند اللّه وعند ذوي المروآت . ولذا كانت العرب تسمي هذا النكاح : نكاح المقت . وتسمي ذلك المتزوج ، مقتيّا . قاله ابن سيده . وقال الزجاج : المقت أشد البغض . ولما علموا أن ذلك في الجاهلية كان يقال له المقت ، أعلموا أنه لم يزل منكرا ممقوتا . وَساءَ سَبِيلًا أي بئس مسلكا . إذ فيه هتك حرمة الأب . وقد روى ابن أبي حاتم أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت ، وكان من صالحي الأنصار ، فخطب ابنه ، قيس ، امرأته ، فقالت : إنما أعدّك ولدا ، وأنت من صالحي قومك ، ولكني آتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فقالت : إن أبا قيس توفي . فقال : خيرا . ثم قالت : إن ابنه قيسا خطبني وهو من صالحي قومه ، وإنما كنت أعدّه ولدا . فما ترى ؟ فقال لها : ارجعي إلى بيتك . فنزلت : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ . الآية . وروى ابن جرير عن ابن عباس قال : كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين . فأنزل اللّه : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ . وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ [ النساء : 23 ] . لطيفة : قال الرازيّ : مراتب القبح ثلاثة : القبح في العقول وفي الشرائع وفي العادات . فقوله تعالى : إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً ، إشارة إلى القبح العقليّ . وقوله : وَمَقْتاً ، إشارة إلى القبح الشرعيّ . وقوله . وَساءَ سَبِيلًا ، إشارة إلى القبح في العرف والعادة . ومتى اجتمعت فيه هذه الوجوه ، فقد بلغ الغاية في القبح . واللّه أعلم . قال ابن كثير : فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه فيقتل ويصير ماله فيئا