محمد جمال الدين القاسمي
485
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فإن قلت : ولا مسلما ، لم تجدد له فائدة . ولم تعلمه غير ما علمه أولا . فقد علمت أنها نكتة واحدة ، توجب أحيانا تقديم الأعلى ، وأحيانا تأخيره . ولا يميز لك ذلك إلا السياق . وما أشك أن سياق الآية يقتضي تقديم الأدنى وتأخير الأعلى . ومن البلاغة المرتبة على هذه النكتة قوله تعالى : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [ الإسراء : 23 ] . استغناء عن نهيه عن ضربهما فما فوقه . بتقدير الأدنى . ولم يلق ببلاغة الكتاب العزيز أن تريد نهيا عن أعلى من التأفيف والإنهار ( كذا ) . لأنه مستغنى عنه . وما يحتاج المتدبر لآيات القرآن مع التأييد شاهدا سواها ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 38 ] ولما اقتضى الإنصاف تسليم مقتضى الآية لتفضيل الملائكة ، وكانت الأدلة على تفضيل الأنبياء عتيدة عند المعتقد لذلك ، جمع بين الآية وتلك الأدلة بحمل التفضيل في الآية على غير محل الخلاف . وذاك أن تفضيل الملائكة في القوة وشدة البطش وسعة التمكن والاقتدار . قال : وهذا النوع من الفضيلة هو المناسب لسياق الآية . لأن المقصود الرد على النصارى في اعتقادهم ألوهية عيسى عليه السلام . مستندين إلى كونه أحيا الموتى وأبرأ الأكمه والأبرص . وصدرت على يديه آثار عظيمة خارقة . فناسب ذلك أن يقال : هذا الذي صدرت على يديه الخوارق ، لا يستنكف عن عبادة اللّه . بل من هو أكثر خوارق وأظهر آثارا . كالملائكة المقربين الذين من جملتهم جبريل عليه السلام . وقد بلغ من قوته وإقدار اللّه له أن اقتلع المدائن واحتملها على ريشة من جناحه . فقلب عاليها سافلها . فيكون تفضيل الملائكة ، إذا ، بهذا الاعتبار . لا خلاف أنهم أقوى وأبطش وأن خوارقهم أكثر . وإنما الخلاف في التفضيل باعتبار مزيد الثواب والكرامات ورفع الدرجات في دار الجزاء . وليس في الآية عليه دليل . ولما كان أكثر ما لبس على النصارى في ألوهية عيسى كونه مخلوقا ، أي : موجودا من غير أب ، أنبأنا اللّه تعالى أن هذا الموجود من غير أب ، لا يستنكف من عبادة اللّه . بل ولا الملائكة المخلوقون من غير أب ولا أم . فيكون تأخير ذكرهم لأن خلقهم أغرب من خلق عيسى . ويشهد لذلك أن اللّه تعالى نظر عيسى بآدم عليهما السلام . فنظر الغريب بالأغرب . وشبه العجيب من قدرته بالأعجب . إذ عيسى مخلوق من أم . وآدم من غير أم ولا أب . ولذلك قال : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ آل عمران : 59 ] . ومدار هذا البحث على النكتة الّتي نبهت عليها . فمتى استقام اشتمال المذكور أياما على فائدة ، لم يشتمل عليها الأول بأي طريق كان ، من تفضيل أو غيره ، من الفوائد - فقد استدّ النظر وطابق صيغة الآية واللّه أعلم . وعلى الجملة فالمسألة سمعية . والقطع فيها