محمد جمال الدين القاسمي
467
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
إذا تكلم اللّه تعالى سمع له صوت كمر السلسلة على الصفوان . قال : وهذه الجهمية تنكره . وهؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس . ثم قال : حدثنا المحاربيّ عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبيد اللّه قال : إذا تكلم اللّه تبارك وتعالى بالوحي ، سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدا . وقال السفارينيّ في ( شرح العقيدة ) : روى في إثبات الحرف والصوت أحاديث تزيد على أربعين حديثا . وأخرج الإمام أحمد غالبها ، واحتج به . وأخرج الحافظ ابن حجر أيضا في ( شرح البخاريّ ) واحتج بها البخاريّ وغيره من أئمة الحديث . على أن الحق سبحانه يتكلم بحرف وصوت . وقد صححوا هذا الأصل واعتقدوه ، واعتمدوا على ذلك ، منزهين اللّه تعالى عما لا يليق بجلاله . من شبهات الحدوث وسمات النقص . كما قالوا في سائر الصفات ، معتمدين على ما صح عندهم من صاحب الشريعة المعصوم في أقواله ، الذي لا ينطق عن الهوى صلى اللّه عليه وسلم . وقال الإمام الواسطيّ ابن شيخ الحرمين الشافعيّ في ( عقيدته ) : إنني : كنت برهة من الدهر متحيرا في ثلاث مسائل : مسألة الصفات ، ومسألة الفوقية ، ومسألة الحرف والصوت في القرآن المجيد . وكنت متحيرا في الأقوال المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك . من تأويل الصفات وتحريفها ، أو إمرارها والوقوف فيها . أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ، ولا تشبيه ولا تمثيل . فأجد النصوص في كتاب اللّه وسنة رسوله ناطقة مبينة لحقائق هذه الصفات . وكذلك في إثبات العلوّ والفوقية ، وكذلك في الحرف والصوت . ثم أجد المتأخرين من المتكلمين في كتبهم ، منهم من تأول الاستواء بالقهر والاستيلاء . وتأول النزول بنزول الأمر . وتأول اليدين بالنعمتين والقدرتين . وتأول القدم بقدم صدق عند ربهم . وأمثال ذلك . ثم أحدهم مع ذلك يجلون كلام اللّه معنى قائما بالذات ، بلا حرف ولا صوت ويجعلون هذه الحروف عبارة عن ذلك المعنى القائم . ومعنى ذلك إلى هذه الأقوال أو بعضها قوم لهم في صدري منزلة . مثل بعض فقهاء الأشعرية الشافعيين . لأني على مذهب الشافعيّ رحمه اللّه تعالى ، عرفت فرائض ديني وأحكامه . فأجد مثل هؤلاء الأجلة يذهبون إلى مثل هذه الأقوال . وهم شيوخي . ولي فيهم الاعتقاد التام . لعلمهم وفضلهم . ثم إنني مع ذلك أجد في قلبي من هذه التأويلات حزازات لا يطمئن قلبي إليها . وأجد الكدر والظلمة منها . وأجد ضيق الصدر وعدم انشراحه مقرونا بها . فكنت كالمتحير . المضطرب في تحيره . المتململ من قلبه في تقلبه وتغيره . وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول ، مخافة الحصر