محمد جمال الدين القاسمي
451
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
التكذيب من جانب النفي . وكلاهما خارج عن السنة والجماعة . وكذلك إفراد الكلام في النقطة والشكلة بدعة ، نفيا وإثباتا . وإنما حدثت هذه البدعة من مائة سنة أو أكثر بقليل . فإن من قال : إن المداد الذي تنقط به الحروف وتشكل به قديم ، فهو ضال جاهل . ومن قال : إن إعراب حروف القرآن ليس من القرآن - فهو ضال مبتدع . بل الواجب أن يقال . هذا القرآن العربيّ هو كلام اللّه . وقد دخل في ذلك حروفه بإعرابها . كما دخلت معانيه . ويقال : وما بين اللوحين جميعه كلام اللّه . فإن كان المصحف منقوطا مشكولا أطلق على ما بين اللوحين جميعه أنه كلام اللّه . وإن كان غير منقوط ولا مشكول ، كالمصاحف القديمة التي كتبها الصحابة ، كان أيضا ما بين اللوحين هو كلام اللّه . فلا يجوز أن تلقى الفتنة بين المسلمين بأمر محدث ونزاع لفظيّ لا حقيقة له . ولا يجوز أن يحدث في الدين ما ليس منه . وسئل رحمه اللّه تعالى عن رجلين تباحثا فقال أحدهما : القرآن حرف وصوت . وقال الآخر : ليس هو بحرف ولا صوت . وقال أحدهما : النقط التي في المصحف والشكل من القرآن . وقال الآخر : ليس ذلك من القرآن . فما الصواب في ذلك ؟ فأجاب رضي اللّه عنه : الحمد للّه رب العالمين . هذه المسألة يتنازع فيها كثير من الناس . ويخلطون الحق بالباطل . فالذي قال : إن القرآن حرف وصوت ، إن أراد بذلك أن هذا القرآن الذي يقرأ للمسلمين هو كلام اللّه ، الذي نزل به الروح الأمين على محمد خاتم النبيين والمرسلين ، وأن جبرئيل سمعه من اللّه ، والنبيّ صلى اللّه عليه وسلم سمعه من جبرئيل ، والمسلمون سمعوه من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، كما قال تعالى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [ النحل : 102 ] . وقال : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ [ الأنعام : 114 ] - فقد أصاب في ذلك . فإن هذا مذهب من سلف الأمة وأئمتها . والدلائل على ذلك كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع . ومن قال : إن القرآن العربيّ لم يتكلم اللّه به وإنما هو كلام جبرئيل أو غيره ، عبّر به عن المعنى القائم بذات اللّه ، كما يقول ذلك ابن كلّاب والأشعريّ ومن وافقهما - فهو قول باطل من وجوه كثيرة . فإن هؤلاء يقولون : إنه معنى واحد قائم بالذات . وإن معنى التوراة والإنجيل والقرآن واحد . وإنه لا يتعدد ولا يتبعض . وإنه إن عبر عنه بالعربية كان قرآنا ، وبالعبرانية كان توراة . وبالسريانية كان إنجيلا . فيجعلون معنى آية الكرسي ، وآية الدّين ، وقل هو اللّه أحد ، وتبت يدا أبي لهب ، والتوراة والإنجيل وغيرهما - معنى واحدا . وهذا قول فاسد بالعقل والشرع . وهو قول أحدثه ابن كلاب . لم يسبقه إليه غيره من السلف . وإن أراد قائل بالحرف والصوت ، أن الأصوات