محمد جمال الدين القاسمي

444

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال الأصبهانيّ : ويدل على صحة هذا التأويل قراءة أبيّ بن كعب رضي اللّه عنه ( إلا ليؤمننّ به قبل موتهم ) بضم النون وإلحاق ميم الجمع . والأسانيد إلى ابن عباس في هذا التأويل كلهم صحيحة . كما قاله ابن كثير . وثمة وجه آخر وهو أن الضمير الأول للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم . والثاني للكتابيّ . رواه ابن جرير « 1 » : عن عكرمة قال : لا يموت النصرانيّ ولا اليهوديّ حتى يؤمن بمحمد صلى اللّه عليه وسلم وتلا الآية . قال ابن جرير : وأولى هذه الأقوال بالصحة القول الأول . وهو أنه لا يبقى أحد من أهل الكتاب ، بعد نزول عيسى عليه السلام ، إلا آمن به قبل موته أي : قبل موت عيسى عليه السلام . قال ابن كثير : ولا شك أن الذي قاله ابن جرير هو الصحيح . لأنه المقصود من سياق الآي ، في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه ، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك . فأخبر اللّه تعالى أنه لم يكن الأمر كذلك . وإنما شبه لهم فقتلوا الشبه . وهم لا يتبيّنون ذلك . ثم إنه رفعه إليه . وإنه باق حيّ . وإنه سينزل قبل يوم القيامة . كما دلت عليه الأحاديث المتواترة . فيقتل مسح الضلالة ، ويكسر الصليب ، ويقتل الخنزير ، ويضع الجزية ( يعني لا يقبلها من أحد من أهل الأديان ، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف ) . فأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ . ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم . ثم قال : فأما من فسر هذه الآية بأن المعنى : أن كل كتابيّ لا يموت حتى يؤمن بعيسى أو بمحمد عليهما السلام - فهذا هو الواقع . وذلك أن كل أحد عند احتضاره ينجلي له ما كان جاهلا به فيؤمن به . ولكن لا يكون ذلك إيمانا نافعا له ، إذا كان قد شاهد الملك . كما قال تعالى : في أول هذه السورة : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ . . . [ النساء : 18 ] . وقال تعالى : فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ . . . الآية وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ أي : عيسى عليه السلام عَلَيْهِمْ أي : على أهل الكتاب شَهِيداً أي بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه إلى السماء . وبعد نزوله إلى الأرض . قال قتادة : يشهد عليهم أنه قد بلّغهم الرسالة من اللّه ، وأقرّ بعبوديته للّه عز وجل . وهكذا كقوله تعالى :

--> ( 1 ) الأثر رقم 10813 من التفسير .