محمد جمال الدين القاسمي
436
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بأن يقول لأهل الكتاب ، الذين بعث إليهم ، وهو من كان في وقتهم ومن يأتي من بعدهم إلى يوم القيامة . لم يؤمر أن يقول ذلك لمن قد تاب منهم . وكذلك قوله : وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ [ المائدة : 43 ] ، إخبار عن اليهود الموجودين وأن عندهم التوراة فيها حكم اللّه . وكذلك قوله : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [ المائدة : 47 ] ، هو أمر من اللّه على لسان محمد لأهل الإنجيل . ومن لا يؤمر على لسان محمد صلى اللّه عليه وسلم ، قيل قبل هذا : إنه قد قيل ليس في العالم نسخة بنفس ما أنزل اللّه في التوراة والإنجيل بل ذلك مبدّل . فإن التوراة انقطع تواترها . والإنجيل إنما أخذ عن أربعة . ثم من هؤلاء من زعم أن كثيرا مما في التوراة والإنجيل باطل ليس من كلام اللّه . ومنهم من قال : بل ذلك قليل . وقيل : لم يحرف أحد شيئا من حروف الكتب وإنما حرّفوا معانيها بالتأويل . وهذان القولان ، قال كلّا منهما كثير من المسلمين . والصحيح القول الثالث ، وهو أن في الأرض نسخا صحيحة وبقيت إلى عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ونسخا كثيرة محرّفة . ومن قال : إنه لا يحرف شيء من النسخ فقد قال ما لا يمكنه نفيه . ومن قال : جميع النسخ بعد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم حرفت فقد قال ما يعلم أنه خطأ . والقرآن يأمرهم أن يحكموا بما أنزل اللّه في التوراة والإنجيل ويخبر أن فيهما حكمه . وليس في القرآن خبر أنهم غيّروا جميع النسخ . وإذا كان كذلك فنقول : هو سبحانه قال : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ [ المائدة : 47 ] . وما أنزله اللّه هو ما تلقوه عن المسيح . فأما حكايته لحاله بعد أن رفع فهو مثلها في التوراة ذكر وفاة موسى عليه السلام . ومعلوم أن هذا الذي في التوراة والإنجيل ، من الخبر عن موسى وعيسى بعد توفيهما ، ليس هو مما أنزله اللّه ومما تلقوه عن موسى وعيسى . بل هو مما كبتوه مع ذلك للتعريف بحال توفيهما . وهذا خبر محض من الموجودين بعدهما عن حالهما ، ليس هو مما أنزله اللّه عليهما ، ولا هو مما أمرا به في حياتهما ، ولا مما أخبرا به الناس وكذلك : لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [ المائدة : 68 ] . وقوله : وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ [ المائدة : 66 ] . فإن إقامة الكتاب ، العمل بما أمر اللّه به في الكتاب ، ومن التصديق بما أخبر به على لسان الرسول . وما كتبه الذين نسخوه من بعد وفاة الرسول ومقدار عمره ونحو ذلك ، ليس هو مما أنزله اللّه على الرسول ، ولا مما أمر به ، ولا أخبر به . وقد يقع مثل هذا في الكتب المصنفة . يصنّف الشخص كتابا فيذكر ناسخه ، في آخره ، عمر المصنف ونسبه