محمد جمال الدين القاسمي

425

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

صفير الريح تدخل من فيه وتخرج من دبره . لا أنه خار بطبعه قط . وحتى لو صح أنه خار بطبعه ، لكان ذلك من أجل القوة التي كانت في القبضة التي قبضها السامريّ من أثر جبريل عليه السلام . والذي يعتمد عليه فهو قول ابن عباس رضي اللّه عنه الذي ذكرناه . وباللّه تعالى التوفيق . وأما قوله : كيف كان الفرض قبل ورود النص ببطلان صلبه ؟ الإقرار بصلبه أم الإنكار له ؟ فهذه قسمة فاسدة شغبية . قد حذر منها الأوائل كثيرا . ونبه عليها أهل المعرفة بحدود الكلام . وذلك أنهم أوجبوا فرضا ثم قسموه على قسمين : إما فرض بإنكار ، وإما فرض بإقرار . وأضربوا عن القسم الصحيح فلم يذكروه . وهذا لا يرضى به لنفسه إلا جاهل أو سخيف مغابط غابن لنفسه ، غاش لمن اغترّ به . وإنما الحقيقة هاهنا أن يقول . هل يلزم الناس ، قبل ورود القرآن ، فرض بالإقرار بصلب المسيح ، أو بإنكار صلبه ، أو لم يلزمهم فرض بشيء من ذلك ؟ فهذه هي القسمة الصحيحة والسؤال الصحيح . وحق الجواب أنه لم يلزم الناس قط ، قبل ورود القرآن ، فرض بشيء من ذلك . لا بإقرار ولا بإنكار . وإنما كان خبرا لا يقطع العذر ولا يوجب العلم الضروريّ . ممكن صدق قائله . فقد قتل أنبياء كثيرة وممكن أن يكون ناقله كذب في ذلك . وهو بمنزلة شيء مغيب في دار . فيقال لهذا المعرّض بهذا السؤال الفاسد : ما الفرض على الناس فيما في هذه الدار ؟ الإقرار بأن فيها رجلا أم الإنكار لذلك ؟ فهذا كله لا يلزم منه شيء . ولم ينزل اللّه عز وجل كتابا قبل القرآن بفرض إقرار بصلب المسيح صلى اللّه عليه وسلم ولا بإنكاره . وإنما ألزم الفرض بعد نزول القرآن بتكذيب الخبر بصلبه . فإن قالوا : قد نقل الحواريون صلبه وهم أنبياء وعدول . قيل لهم وباللّه التوفيق : الناقلون لنبوتهم وأعلامهم ولقولهم بصلبه عليه السلام ، هم الناقلون عنهم الكذب في نسبه والقول بالتثليث الذي من قال به فهو كاذب على اللّه تعالى ، مفتر عليه ، كافر به . فإن كان الناقل لذلك عنهم صادقا أو كانوا كافة ، فما كان يوحنا ومتى وبولس إلا كفارا كاذبين . وما كانوا قط من صالحي الحواريين . وإن كان ناقل ما ذكرنا عنهم كاذبا ، فالكاذب لا يقوم بنقله حجة . فبطل التمويه المتقدم . والحمد للّه رب العالمين . فصل أخذ بعض نصارى هذا العصر يتذبذب في الاعتقاد . فطفق يرد على المسيحيين قولهم بتثليث الآلهة . وأنه مضاد لصريح نصوص الوحي . أخذ يسلم بحقية القرآن