محمد جمال الدين القاسمي

418

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

يستحيل تواطؤهم على الكذب ، وأصلهم الذي ينقلون عنه كذلك ، لكن أصلهم لم يباشر ذلك الأمر المحسوس ، بل ينقل عن غيره أيضا ، فأصل ذلك الأصل يجب أن يكون عددا يستحيل تواطؤهم على الكذب أيضا . لما تقدم . وفي هذه الصورة حصل طرفان وواسطة . فالطرفان المخبر لنا . والمباشر الأول الواسطة الذي بينهما . فيجب استواء الطرفين والواسطة . والوسائط تكثرت في كونهم عددا يستحيل تواطؤهم على الكذب . فينقسم ، بهذا التحرير ، التواتر إلى طرف فقط ، وإلى طرفين بلا وساطة ، وإلى طرفين وواسطة . والثلاثة أقسام مشتركة في هذا الشرط . فإذا تقرر حقيقة التواتر فنقول : الحس إنما يتعلق بأن هذا مصلوب على هذه الخشبة . وأما أنه عيسى عليه السلام نفسه أو غيره ، فهذا لا يفيده الحس البتة . بل إنما يعلم بقرائن الأحوال إن وجدت ، أو بأخبار الأنبياء عليهم السلام عن اللّه تعالى الذي أحاط بكل شيء علما . وأحصى كل شيء عددا . والذي يدل على أن الحس لا يفرق بين المتماثلات ، أنا لو وضعنا في إناء رطلا من الماء مثلا . وأريناه لإنسان ، ثم رفعنا ذلك الماء ووضعنا فيه رطلا آخر من ذلك الماء ثم أريناه ذلك الإنسان . وقلنا له : هذا الماء هو عين الماء الأول أو مثله ؟ فإنه إذا أنصف يقول : الذي أدركه بحسّي أن هذا ماء بالضرورة . أما أنه عين الأول أو غيره مماثلا له ، فلا أعلم . لكون الحس لا يحيط بذلك . هذا في المائعات . وكذلك كفّ من تراب أو أوراق الأشجار أو أنواع الحبوب . كالحنطة مثلا . إذا أخذ منها حفنتان ونحو ذلك . وكذلك الحيوانات الوحشية والطيور شديدة الالتباس على الحس . إذا اتحد النوع في اللون والسن والغلظ . وإنما كثرت الفروق في الحيوانات الإنسية كالفرس ونحوها . مطلب : وسر ذلك أن أسباب النشأة في الوحشية مشتركة بالمياه والمراعي والبراري . والحيوان الإنسيّ يختلف ذلك فيه ، بحسب مقتنيه ، اختلافا كثيرا . فينشأ بحسب دواعي بني آدم في السعة والضيق ، وإيثار نوع من العلف على غيره ، ومكان مخصوص على غيره ، وإلزام الحيوان أنواعا من الأعمال والرياضة دون غيرها ، فيختلف الحيوان الإنسيّ بحسب ذلك . ثم يتصل ذلك بالنّطف في التوليد ، مضافا إلى ما يحصل للولد من داعية مريبة فيعظم الاختلاف . والحيوان الوحشيّ سلم عن جميع ذلك . فتشابهت أفراد نوعه . ولا يكاد الحس يفرق بين اثنين منه البتة . فإذا تقرر أن الحس لا سلطان له على الفرق بين المثلين ، ولا التمييز بين الشيئين ، فيجب القطع أن كون المصلوب هو خصوص عيسى عليه السلام دون شبهه أو مثله - ليس مدركا بالحس .