محمد جمال الدين القاسمي

406

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أرسلوا شرطا ليقبضوا على المسيح ( يعني ليقتلوه كما قال مفسروهم ) قال أنا ماكث أيضا معكم زمانا . ثم أنطلق إلى من أرسلني وتطلبونني فلا تجدونني . وحيثما أكن فلا تستطيعون إليه سبيلا . قال اليهود في ذواتهم : فإلى أين ؟ هذا عتيد أن ينطلق حتى لا نجده نحن ، قال مفسروهم أي : يصعد إلى السماء . وغير ذلك مما لو أردنا ذكره والتنقير عنه لطال البحث . ثم نقل خير الدين نحوا مما أسلفناه عن أناجيلهم وقال بعض ذلك : فأجل في تناقضها قداح فكرك . وفي تهافتها خيول ذهنك . لترى في هذه القصة ما يدلك على وقوع الشبه ونجاة المسيح عقلا ونقلا . كما قال تعالى : وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ . وليتبين لك عبوديته ورسالته عليه السلام . فإن ذلك ظاهر من العبارات . ولنزدك في البيان وضوحا بما ننبهك عليه بكلمات يسيرة مقدوحا ومشروحا . منها : قولهم إنه صلب قبل غروب يوم الجمعة ودفن مساءها . ولما جاءت النسوة عشية السبت المفسر صباحه عن الأحد ، وجدنه فارغا ، وقد قام منه المدفون . مع أن النصارى يزعمون ، كما في أناجيلهم ، أنه يبقى في قبره ثلاثة أيام . كما بقي يونان ، أي : يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام بلياليها ، فما هذا إلا دليل على الاختلاف والتهافت في هذا الأمر . ومنها : سؤالة اليهود مرتين من تطلبون ؟ وهم يقولون : يسوع الناصريّ . فلم يعرفوه وهو يقول لهم : أنا . ومنها : أن يهوذا ارتشى ليدلهم عليه . وجعل العلامة على تعيينه لهم تقبيل يده . فلو كان معلوما لهم لعرفوه بلا دلالة وبلا سؤال . مع أنه كان بين أظهرهم وفي غالب الأيام في هيكلهم . ومنها : أنه لما أقسم عليه رئيس الكهنة أنه هو المسيح لم يقل له : أنا المسيح . بل قال له : أنت قلت . ومنها : إنكار بطرس له وهو من أعظم رسله . وإنكاره كفر . ومنها : أنه لما سأله الوالي : أنت هو ؟ لم يردّ له جوابا . فلو كان هو لاعترف وأقرّ . ومنها : أنه لما كان أخذه ليلا ، وقد شوهت صورته وتغيرت محاسنه بالضرب والنكال ، فهي حالة توجب اللبس بين الشيء وخلافه . فكيف بين الشيء وشبهه ؟