محمد جمال الدين القاسمي

392

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ليس لمجرد كونه كذبا ، بل لتضمنه لابتهاجهم بقتل النبيّ عليه السلام والاستهزاء به . فإن وصفهم له عليه السلام بعنوان الرسالة إنما هو بطريق التهكم به عليه السلام . كما في قوله تعالى : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ [ الحجر : 6 ] . ولإنبائه عن ذكرهم له عليه السلام بالوجه القبيح ، على ما قيل من أن ذلك وضع للذكر الجميل من جهته تعالى ، مكان ذكرهم القبيح . وقيل : هو نعت له عليه الصلاة والسلام من جهته تعالى . مدحا له ، ورفعا لمحله ، وإظهارا لغاية جراءتهم ، في تصديهم لقتله ، ونهاية وقاحتهم في افتخارهم بذلك . لطيفة : قال الراغب : سمي عيسى بالمسيح لأنه مسحت عنه القوة الذميمة ، من الجهل والشره والحرص وسائر الأخلاق الذميمة . كما أن الدجال مسحت عنه القوة المحمودة من العلم والعقل والحلم والأخلاق الحميدة . وقال شمر : لأنه مسح بالبركة . وهو قوله تعالى : وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ [ مريم : 31 ] . أو لأن اللّه مسح عنه الذنوب . وذكر المجد في كتابه ( البصائر ) في اشتقاقه ستة وخمسين قولا . وتطرّق شارح القاموس لبعضها . فانظره وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ أي : لا يصح لهم الفخر بقتله . لأنهم ما قتلوه . ولا متمسك لهم فيما يزعمونه من صلبهم إياه . لأنهم ما صلبوه ولكن قتلوا وصلبوا من ألقى عليه شبهه وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ أي : في شأن عيسى لَفِي شَكٍّ مِنْهُ أي : من قتله . وسنبينه بعد ما لَهُمْ بِهِ أي : بقتله مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ استثناء منقطع . أي : لكن يتبعون فيه الظن الذي تخيلوه وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً أي : قتلا يقينا بمعنى متيقنين أنه عيسى عليه السلام ، بل فعلوه شاكّين فيه . أو المعنى : انتفى قتله انتفاء يقينا بمعنى انتفائه على سبيل القطع . قال البرهان البقاعي : وهو أولى لقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 158 ] بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 158 ) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ردّ وإنكار لقتله . وإثبات لرفعه . أي : اليقين إنما هو في رفعه إليه وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً أي : لا يبعد رفعه على اللّه . لأنه عزيز لا يغلب على ما يريده . وحكيم اقتضت حكمته رفعه . فلا بد أن يرفعه . وهي حفظه لتقوية دين محمد صلى اللّه عليه وسلم ، حين انتهائه إلى غاية الضعف بظهور الدجال ، فيقتله . أفاده المهايميّ .