محمد جمال الدين القاسمي

390

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وسجدوا ، وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رؤوسهم ، خشية أن يسقط عليهم . كما قال تعالى : وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ . . . [ الأعراف : 171 ] الآية ، وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً أي : ادخلوا باب إيلياء مطأطئين ، عند الدخول ، رؤوسكم . فخالفوا ما أمروا به . وقد تقدم في سورة البقرة إيضاح هذه الآيات مفصلا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ أي : وصيناهم بحفظ السبت والتزام ما حرم اللّه عليهم ما دام مشروعا لهم وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً أي : عهدا شديدا . فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب ما حرم اللّه عز وجل . كما هو مبسوط في سورة الأعراف عند قوله : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ . . . [ الأعراف : 163 ] . ثم بين تعالى ما أوجب لعنهم وطردهم ومسخهم من مخالفتهم بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 155 ] فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً ( 155 ) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ( ما ) مزيدة للتأكيد ، أو نكرة تامة . و ( نقضهم ) بدل منها . والباء متعلقة بفعل محذوف . أي فبسبب نقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم ، فعلنا بهم ما فعلنا من اللعن والمسخ وغيرهما من العقوبات النازلة عليهم ، أو على أعقابهم وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ أي : حججه وبراهينه والمعجزات التي شاهدوها على يد الأنبياء عليهم السلام وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ كزكريا ويحيى عليهما السلام . قال العلامة البقاعيّ : وهو أعظم من مطلق كفرهم . لأن ذلك سدّ لباب الإيمان عنهم وعن غيرهم . لأن الأنبياء سبب الإيمان . ولما كان الأنبياء معصومين من كل نقيصة ، ومبرأين من كل دنية ، لا يتوجه عليهم حق لا يؤدونه ، قال تعالى بِغَيْرِ حَقٍّ أي : كبير ولا صغير أصلا . وهذا الحرف لكونه في سياق طعنهم في القرآن ، الذي هو أعظم الآيات ، وقع التعبير فيه بأبلغ مما في آل عمران . لأن هذا مع جمع الكثرة . وتنكير الحق ، عبر فيه بالمصدر ، المفهم لأن الاجتراء على القتل صار لهم خلقا وصفة راسخة . بخلاف ما مضى . فإنه بالمضارع الذي ربما دل على العروض . ثم ذكر أعظم من ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى اللّه تعالى فقال وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ جمع ( أغلف ) أي : هي مغشاة بأغشية جبلّية لا يكاد يصل إليها ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم . كما قال تعالى : وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ . . .