محمد جمال الدين القاسمي

39

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بولدها . حيث أوصى الوالدين بأولادهم . فعلم أنه أرحم بهم منهم . كما جاء في الحديث الصحيح « 1 » وقد رأى امرأة من السبي ، فرق بينها وبين ولدها فجعلت تدور على ولدها . فلما وجدته من السبي أخذته فألصقته بصدرها وأرضعته . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه : أترون هذه طارحة ولدها في النار وهي تقدر على ذلك ؟ قالوا : لا . يا رسول اللّه . قال : فو اللّه ! للّه أرحم بعباده من هذه بولدها . فَإِنْ كُنَّ أي الأولاد . والتأنيث باعتبار الخبر وهو قوله تعالى : نِساءً يعني بنات خلصا ليس معهن ذكر فَوْقَ اثْنَتَيْنِ خبر ثان أو صفة لنساء . أي نساء زائدات على اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ أي المتوفى المدلول عليه بقرينة المقام . تنبيه : ظاهر النظم القرآنيّ أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعدا حيث لا ذكر معهن ولم يسم للبنتين فريضة . وقد اختلف أهل العلم في فريضتهما . فذهب الجمهور إلى أن لهما ، إذا انفردتا عن البنين ، الثلثين . وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما النصف . احتج الجمهور بالقياس على الأختين . فإن اللّه سبحانه قال في شأنهما : فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ . فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين . كما ألحقوا الأخوات ، إذا زدن على اثنتين ، بالبنات ، في الاشتراك في الثلثين . وقيل : في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين . وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث ، كان للابنتين ، إذا انفردتا ، الثلثان . هكذا احتج بهذه الحجة إسماعيل بن عياش والمبرّد . قال النحاس : وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط . لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين . وأيضا للمخالف أن يقول : إذا ترك بنتين وابنا فللبنتين النصف . فهذا دليل على أن هذا فرضهما . ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بأن اللّه سبحانه لما فرض للبنت الواحدة النصف إذا انفردت ، بقوله : وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ، كان فرض البنتين ، إذا انفردتا ، فوق فرض الواحدة . وأوجب القياس على الأختين الاقتصار للبنتين على الثلثين . وقيل إن ( فوق ) زائدة . والمعنى : إن كن نساء اثنتين . كقوله تعالى : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [ الأنفال : 12 ] ، أي الأعناق . ورد هذا النحاس وابن عطية . فقالا : هو خطأ . لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى . قال ابن عطية : ولأن قوله ( فوق الأعناق ) هو الفصيح وليست ( فوق ) زائدة بل هي محكمة

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : التوبة ، حديث 22 .