محمد جمال الدين القاسمي

383

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

لما قبله من إثابتهم عند توبتهم . و ( ما ) استفهامية مفيدة للنفي على أبلغ وجه وآكده . أي : أيّ شيء يفعل اللّه سبحانه بتعذيبكم ؟ أيتشفى به من الغيظ ؟ أم يدرك به الثار ؟ أم يستجلب به نفعا ؟ أم يستدفع به ضررا ؟ كما هو شأن الملوك . وهو الغنيّ المتعالي عن أمثال ذلك . وإنما هو أمر يقتضيه كفركم . فإذا زال ذلك بالإيمان والشكر ، انتفى التعذيب لا محالة . وتقديم ( الشكر ) على ( الإيمان ) لما أنه طريق موصل إليه . فإن الناظر يدرك أوّلا ما عليه من النعم الأنفسية والآفاقية فيشكر شكرا مبهما . ثم يترقى إلى معرفة المنعم فيؤمن به . وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه وَكانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً الشكر منه تعالى المجازاة والثناء الجميل . كما في ( القاموس ) . ويرحم اللّه ابن القيم حيث يقول في ( الكافية الشافية ) : وهو الشكور فلن يضيّع سعيهم * لكن يضاعفه بلا حسبان ما للعباد عليه حق واجب * هو أوجب الأجر العظيم الشان كلا ولا عمل لديه ضائع * إن كان بالإخلاص والإحسان إن عذّبوا فبعدله ، أو نعّموا * فبفضله ، والحمد للرحمن القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 148 ] لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( 148 ) لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ أي : لا يحب اللّه تعالى أن يجهر أحد بالقبيح من القول إِلَّا مَنْ ظُلِمَ إلا جهر المظلوم بأن يدعو على ظالمه أو يتظلم منه ويذكره بما فيه من السوء . فإن ذلك غير مسخوط عنده سبحانه ، حتى إنه يجيب دعاءه . ومعلوم أن أنواع الظلم كثيرة . فما نقل عن السلف هنا من ذكر نوع منه ، فليس المراد حصر معنى الآية فيه . بل القصد تنبيه المستمع على النوع . فمن ذلك ما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس « 1 » في الآية ، يقول : لا يحب اللّه أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوما . فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه . وذلك قوله إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وإن صبر فهو خير له . ومن ذلك ما رواه عبد الرزاق وابن إسحاق وهنّاد بن السريّ عن مجاهد قال : هي في رجل أضاف رجلا فأساء قراه ، فتحول عنه . فجعل يثني عليه بما أولاه . فرخص له أن يثني عليه بما أولاه . وفي رواية عنه : هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته فيخرج فيقول : أساء ضيافتي ولم يحسن . وفي

--> ( 1 ) تفسير الطبريّ ، الأثر رقم 10749 .