محمد جمال الدين القاسمي

381

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

باعتبار الصعود . وإنما عوقبوا بذلك لأنهم أخبث الكفرة . إذ ضموا إلى الكفر استهزاء بالإسلام وخداعا للمسلمين . قال الرازيّ : وبسبب أنهم لمّا كانوا يظهرون الإسلام ، يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك . فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين . فلهذه الأسباب عوقبوا بذلك . ونقل عن ابن الأنباريّ أنه قال : إنه تعالى أخبر عن آل فرعون بقوله : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [ غافر : 46 ] ، وعن المنافقين بما في هذه الآية . فأيهما أشد عذابا ؟ فأجاب : بأنه يحتمل أن أشد العذاب إنما يكون في الدرك الأسفل . وقد اجتمع فيه الفريقان . واللّه أعلم . روى الترمذيّ « 1 » عن الحسن قال : قال عتبة بن غزوان على منبر البصرة ، إن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عاما ، وما تفضي إلى قرارها . وكان عمر رضي اللّه عنه يقول : أكثروا ذكر النار . فإن حرها شديد وإن قعرها بعيد وإن مقامعها حديد . وروى الترمذيّ « 2 » عن أبي سعيد الخدريّ قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً أي : ينقذهم مما هم فيه ويخرجهم من أليم العذاب . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 146 ] إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ( 146 ) إِلَّا الَّذِينَ تابُوا أي : عن النفاق وَأَصْلَحُوا أي : أعمالهم وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ أي : وثقوا به بترك موالاة الكفار وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فلم يبق لهم فيه تردد . ولم يريدوا بطاعتهم إلا وجهه سبحانه ، لا رياء الناس كما كانوا قبل . فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيّز الصلة . وما فيه من معنى البعد ، للإيذان ببعد المنزلة وعلو الطبقة . أي : لعلو رتبتهم بهذه الأمور لا يكونون في درك من النار فضلا عن الأسفل ، بل مع المؤمنين المستمرين على الإيمان بلا نفاق . أي : معهم في درجات الجنان . وقد بيّن ذلك بقوله سبحانه وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ثوابا وافرا في الجنة . فيشاركونهم فيه ويساهمونهم . وحذفت

--> ( 1 ) أخرجه الترمذيّ في : صفة جهنم ، 2 - باب ما جاء في صفة قعر جهنم . ( 2 ) أخرجه الترمذيّ في : التفسير ، 21 - سورة الأنبياء ، 1 - حدثنا عبد بن حميد .