محمد جمال الدين القاسمي

379

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

صلاتهم إلا قليلا . لأنهم لا يخشعون ولا يدرون ما يقولون . بل هم في صلاتهم ساهون لا هون . وقد روى الإمام مالك « 1 » عن العلاء بن عبد الرحمن عن أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : تلك صلاة المنافق . تلك صلاة المنافق . تلك صلاة المنافق . يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان ، قام فقر أربعا ، لا يذكر اللّه فيها إلا قليلا . وكذا رواه مسلم والترمذيّ والنسائيّ . الثالث - معناه : ولا يذكرون اللّه بالتهليل والتسبيح إلا ذكرا قليلا في الندرة . على أن الذكر بمعناه المتبادر منه . وعليه ، فمن علامات النفاق استغراق الأوقات بحديث الدنيا ، وقلة ذكره تعالى بتحميد أو تهليل أو تسبيح . كما أن من صفات المؤمنين ذكر اللّه تعالى كثيرا . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 143 ] مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ( 143 ) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ حال من فاعل ( يراؤن ) أو منصوب على الذم و ( ذلك ) إشارة إلى الإيمان والكفر . المدلول عليهما بمعونة المقام . أو إلى ( المؤمنين والكافرين ) ، فيكون ما بعده تفسيرا له . أي : مرددين بينهما متحيرين قد ذبذبهم الشيطان والهوى . وحقيقة المذبذب الذي يذبّ عن كلا الجانبين . أي : يذاد ويدفع ، فلا يقرّ في جانب واحد . إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب . كأنّ المعنى كلما مال إلى جانب ذبّ عنه لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ أي : لا منضمين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين . ليسوا بمؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين . وقال مجاهد : لا إِلى هؤُلاءِ ، يعني أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم . وَلا إِلى هؤُلاءِ ، يعني اليهود . وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن دينه وحجته فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي : طريقا إلى الصواب والهدى . روى الشيخان عن ابن عمر عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « 2 » : مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين : تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة : « العائرة المتحيرة المترددة لا تدري لأي الغنمين تتبع » .

--> ( 1 ) أخرجه في الموطأ في : القرآن ، حديث 46 ونصه : عن العلاء بن عبد الرحمن قال : دخلنا على أنس ابن مالك بعد الظهر . فقام يصلّي العصر . فلما فرغ من صلاته ، ذكرنا تعجيل الصلاة ، أو ذكرها ، فقال : سمعت رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقول « تلك صلاة المنافقين . تلك صلاة المنافقين . تلك صلاة المنافقين . يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس ، وكانت بين قرني الشيطان ، أو على قرن الشيطان ، قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا » . ( 2 ) أخرجه مسلم في : صفات المنافقين وأحكامهم ، حديث 17 .