محمد جمال الدين القاسمي

34

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أبعد القائل بالنسخ عن فهم سر الآية فيما ندبت إليه من هذه المكرمة الجليلة . وهي إسعاف من ذكر من المال الموروث ، والنفس الأبية تنفر من أن تأخذ المال الجزل ، وذو الرحم حاضر محروم ، ولا يسعف ولا يساعد . فالآية بينة بنفسها ، واضحة في معناها وضوح الشمس في الظهيرة ، لا تنسخ أو تقوم الساعة . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 9 ] وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ( 9 ) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً في الآية وجوه : الأول - أنها أمر للأوصياء بأن يخشوا اللّه تعالى ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريّهم الضعاف بعد وفاتهم . الثاني : أنها أمر لمن حضر المريض من العوّاد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم . فلا يتركوه أن يضرّ بهم بصرف المال عنهم : الثالث : أنها أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين ، متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافا مثلهم . هل يجوّزون حرمانهم ؟ الرابع : أنها أمر للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية . كما ثبت في الصحيحين « 1 » أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما دخل على سعد بن أبي وقاص يعوده قال : يا رسول اللّه ! إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة . أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال : لا . قال : فالشطر ؟ قال : لا ، قال : فالثلث . قال : الثلث . والثلث كثير . ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الجنائز ، 37 - باب رثي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم سعد بن خولة ، حديث 50 ونصه : عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه رضي اللّه عنه قال : كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يعودني في عام حجة الوداع من وجع اشتد بي . فقلت : إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال . ولا يرثني إلا ابنة . أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال « لا » فقلت : بالشطر ؟ فقال « لا » ثم قال « الثلث . والثلث كبير ( أو كثير ) إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس . وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها . حتى ما تجعل في في امرأتك » .