محمد جمال الدين القاسمي

338

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

مسعود بذلك قال الحاضر : ما درى عبد اللّه ما يقول ، إلا أنه قال : لو أرخصنا لهم في هذا لأوشك أحدهم إذا وجد البرد أن يتيمّم . وقد قال ابن عباس وفاطمة بنت قيس وجابر : إن المطلقة في القرآن هي الرجعية بدليل قوله : لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً [ الطلاق : 1 ] وأي أمر يحدثه بعد الثلاثة ؟ وقد احتج طائفة على وجوب العمرة بقوله : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [ البقرة : 196 ] . واحتج بهذه الآية من منع الفسخ . وآخرون يقولون : إنما أمر بالإتمام فقط . وكذلك أمر الشارع أن يتم . وكذلك في الفسخ قالوا : من فسخ العمرة إلى غير حج فلم يتمها . أما إذا فسخها ليحج من عامه فهذا قد أتى بما تم مما شرع فيه فإنه شرع صلى اللّه عليه وسلم أصحابه عام حجة الوداع . وتنازعوا في الذي بيده عقدة النكاح وفي قوله : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ * [ النساء : 43 ] . ونحو ذلك مما ليس هذا موضع استقصائه . وأما مسألة مجردة اتفقوا على أنه لا يستدل فيها بنص جلي ولا خفيّ ، فهذا ما أعرفه . والجدّ ، لما قال أكثرهم : إنه أب ، واستدلوا على ذلك بالقرآن بقوله : كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [ الأعراف : 27 ] ، وقال ابن عباس : لو كانت الجن تظن أن الإنس تسمى أبا الأب جدّا لما قالت : وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا [ الجن : 3 ] . نقول : إنما هو أب ، لكن أب أبعد من أب . وقد روي عن عليّ وزيد أنهما احتجا بقياس ، فمن ادعى إجماعهم على ترك العمل بالرأي والقياس مطلقا فقد غلط . ومن ادعى أن من المسائل ما لم يتكلم أحد منهم إلا بالرأي والقياس فقد غلط . بل كان كل منهم يتكلم بحسب ما عنده من العلم . فمن رأى دلالة الكتاب ذكرها . ومن رأى دلالة الميزان ذكرها . والدلائل الصحيحة لا تتناقض . لكن قد يخفى وجه اتفاقهما أو ضعف أحدهما على بعض العلماء . وللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين . كما أن لهم معرفة بأمور من السنة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين . فإنهم شهدوا التنزيل وعاينوا الرسول . وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله ما يستدلون به على مرادهم ، ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك فطلبوا الحكم مما اعتقدوه من إجماع أو قياس . ومن قال من المتأخرين : إن الإجماع مستند معظم الشريعة ، فقد أخبر عن حاله . فإنه لنقص معرفته بالكتاب والسنة احتاج إلى ذلك . وهذا كقولهم : إن أكثر الحوادث يحتاج فيها إلى القياس لعدم دلالة النصوص عليها . فإنما هذا من قول من لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتهما على الأحكام وقد قال الإمام أحمد رضي اللّه عنه : إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها . فإنه لما فتحت البلاد وانتشر الإسلام ، حدثت جميع أجناس الأعمال .