محمد جمال الدين القاسمي

325

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

كونه ظالما ، ثم يعينه على ذلك الظلم ، بل يحمله عليه ويرغّبه فيه أشد الترغيب ؟ وإنما قيل للخائنين ( ويختانون ) مع أن الخائن واحد ، لأن المراد به هو ومن عاونه من قومه ، وهم يعلمون أنه سارق . أو ذكر بلفظ الجمع ليتناوله وكل من خان خيانته . كما أنه إنما ذكر بلفظ المبالغة في قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً لأنه تعالى علم منه أنه مفرط في الخيانة وركوب المآثم . ويدل له أنه هرب إلى مكة وارتدّ . كما أسلفنا . قيل : إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات . وعن عمر رضي اللّه عنه ، أنه أمر بقطع يد سارق . فجاءت أمه تبكي وتقول : هذه أول سرقة سرقها فاعف عنه . فقال : كذبت . إن اللّه لا يؤاخذ عبده في أول مرة . وقوله تعالى يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ أي : يستترون حياء منهم وخوفا من ضررهم وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ فلا يستحيون منه وَهُوَ مَعَهُمْ أي : وهو عالم بهم مطلع عليهم لا يخفى عليه خاف من سرهم . قال الزمخشريّ : وكفى بهذه الآية ناعية على الناس ما هم فيه من قلة الحياء والخشية من ربهم ، مع علمهم ، إن كانوا مؤمنين ، أنهم في حضرته لا سترة ولا غفلة ولا غيبة ، وليس إلا الكشف الصريح والافتضاح . وقوله تعالى : إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ أي : يدبرون ويزوّرون الحلف الكاذب ورمي البريء وشهادة الزور . وقوله تعالى ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ . . . الآية . المجادلة : أشد المخاصمة . والمعنى هبوا أنكم خاصمتم عن السارق وقومه في الدنيا ، فمن يخاصم عنهم في الآخرة إذا أخذهم اللّه بعذابه ؟ وقوله تعالى أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا حافظا ومحاميا من بأس اللّه تعالى وانتقامه . قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة هذه الآيات وجوب الحكم من غير محاباة ولا ميل ، والنهي عن التعصب والمجادلة عن كل خائن وعاص . ويدل تقييد النهي عن الجدل بالذين يختانون أنفسهم ، على إباحة المجادلة . انتهى . واعلم أنه تعالى لما ذكر الوعيد في هذا الباب ، أتبعه بالدعوة إلى التوبة بقوله سبحانه : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 110 ] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ( 110 ) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أي : قبيحا متعديا . يسوء به غيره ، كما في القصة أَوْ