محمد جمال الدين القاسمي

313

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا . . . الآية . وفي هذه الروايات أنهم قاموا جميعا معه صلى اللّه عليه وسلم في الصلاة ، وإنما ينطبق ما فيها على ما رواه « 1 » الشيخان عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة ، والطائفة الأخرى مواجهة للعدوّ . ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدوّ . وجاء أولئك . ثم صلى بهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ركعة ثم سلم . ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة . وما روياه عن صالح بن خوّات عمن صلى مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يوم ذات الرقاع ؛ أن الطائفة صف معه وطائفة وجاه العدوّ . فصلى بالتي معه ركعة ثم ثبت قائما . فأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا وجاه العدوّ . وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته . فأتموا لأنفسهم فسلم بهم - ( قلت ) : بمراجعة ما أسلفناه في المقدمة من قاعدة سبب النزول يندفع الإشكال . وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : نزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين ضجنان وعسفان فقال المشركون : لهؤلاء صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم . وهي العصر . فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة . وأن جبريل عليه السلام أتى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فأمره أن يقسم أصحابه ، شطرين . فيصلي بهم وتقوم طائفة أخرى وراءهم . وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم . فتكون لهم ركعة وللنبيّ صلى اللّه عليه وسلم ركعتان . أخرجه أصحاب السنن « 2 » . ثم رأيت القرطبيّ بحث في ( تفسيره ) نحو ما سبق لي حيث قال : وما ذكرناه من سبب النزول في قصة خالد بن الوليد . لا يلائم تفريق القوم إلى طائفتين . ثم قال ( بعد رواية حديث أبي هريرة المذكور ) قلت : ولا تعارض بين هذه الروايات . فلعله صلى اللّه عليه وسلم صلى بهم صلاة أخرى مفترقين . انتهى . الرابع - ظاهر الآية الكريمة الترخيص لكل طائفة بركعة واحدة . لأنه لم يبين فيها حال الركعة الباقية . وقد روى النسائيّ « 3 » عن ابن عباس أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم صلى بذي قرد فصف الناس خلفه صفين : صفا خلفه وصفا موازي العدوّ . فصلى بالذين خلفه ركعة . ثم انصرف هؤلاء إلى مكان هؤلاء . وجاء أولئك فصلى بهم ركعة ولم يقضوا ركعة . وكذا روى أبو داود والنسائي « 4 » أيضا عن حذيفة أنه صلى بطبرستان بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا . وروى

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : المغازي ، 31 - باب غزوة ذات الرقاع ، حديث 1889 . ومسلم في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث 305 و 306 . ( 2 ) أخرجه النسائي في : صلاة الخوف ، 16 - باب أخبرنا العباس بن عبد العظيم . ( 3 ) أخرجه النسائي في : صلاة الخوف ، 5 - باب أخبرنا محمد بن بشار . ( 4 ) أخرجه النسائيّ في : صلاة الخوف ، 2 - باب أخبرنا عمرو بن عليّ .