محمد جمال الدين القاسمي

303

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر . فكيف يظن بها ، مع ذلك ، أن تصلي بخلاف صلاة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين معه ؟ . ثم قال ابن القيم : قلت : وقد أتمت عائشة بعد موت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . قال ابن عباس وغيره : إنها تأولت كما تأول عثمان . وإن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يقصر دائما . فركب بعض الرواة من الحديثين حديثا وقال : فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقصر وتتم هي . فغلط بعض الرواة فقال : كان يقصر ويتم . أي : هو . والتأويل الذي تأولته قد اختلف فيه . فقيل : ظنت أن القصر مشروط بالخوف والسفر . فإذا زال سبب الخوف زال سبب القصر . وهذا التأويل غير صحيح . فإن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم سافر آمنا . وكان يقصر الصلاة . والآية قد أشكلت على عمر رضي اللّه عنه وغيره . فسأل عنها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأجابه بالشفاء . وأن هذا صدقة من اللّه وشرع شرعه للأمة . وكان هذا بيان أن حكم المفهوم غير مراد . وأن الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف . وغايته أنه نوع تخصيص للمفهوم ، أو رفع له . وقد يقال : إن الآية اقتضت قصرا يتناول الأركان بالتخفيف . وقصر العدد بنقصان ركعتين . وقيد ذلك بأمرين : الضرب في الأرض والخوف . فإذا وجد الأمران ، أبيح القصر . فيصلون صلاة تامة كاملة . وإن وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده . فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفي العدد . وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية . فإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفى الأركان ، وسميت صلاة أمن . وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق . وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة ، باعتبار نقصان العدد . وقد تسمى تامة ، باعتبار إتمام أركانها ، وأنها لم تدخل في قصر الآية . والأول اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين . والثاني يدل عليه كلام الصحابة . كعائشة وابن عباس وغيرهما . قالت عائشة : فرضت الصلاة ركعتين . فلما هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر . فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع . وإنما هي مفروضة كذلك . وأن فرض المسافر ركعتان . وقال ابن عباس : فرض اللّه الصلاة على لسان نبيّكم في الحضر أربعا . وفي السفر ركعتين . وفي الخوف ركعة . متفق على حديث عائشة . وانفرد مسلم « 1 » بحديث ابن عباس . وقال عمر بن الخطاب « 2 » : صلاة السفر ركعتان . والجمعة ركعتان . والعيد

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في : صلاة المسافرين وقصرها ، حديث 5 . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة في : إقامة الصلاة والسنة فيها ، 73 - باب تقصير الصلاة في السفر ، حديث 1064 .