محمد جمال الدين القاسمي

275

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أن يستوفى له في دار العدل . قالوا : فما استوفاه الوارث فإنما استوفى محض حقه الذي خيره اللّه ، من استيفائه والعفو عنه . وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه ؟ وأي استدراك لظلامته حصل له باستيفاء وارثه ؟ وهذا أصح القولين في المسألة . إن حق المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث . وهي وجهان لأصحاب الشافعيّ وأحمد وغيرهما . ورأت طائفة أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث . فإن التوبة تهدم ما قبلها . والذنب الذي قد جناه قد أقيم عليه حده . قالوا : وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر ، وهما أعظم إثما من القتل ، فكيف تقصر عن محو أثر القتل ؟ وقد قبل اللّه توبة الكفار الذين قتلوا أولياءهم ، وجعلهم من خيار عباده . ودعا الذين أحرقوا أولياءه وفتنوهم عن دينهم ودعاهم إلى التوبة . وقال تعالى : يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً . وهذا في حق القاتل . وهي تتناول الكفر فيما دونه . قالوا : وكيف يتوب العبد من الذنب ويعاقب عليه بعد التوبة ؟ هذا معلوم انتفاؤه في شرع اللّه وجزائه . قالوا : وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه ، ولا يمكن تسليمها إلى المقتول . فأقام الشارع وليّه مقامه . وجعل تسليم النفس إليه كتسليمها إلى المقتول ، بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه . فإنه يقوم مقام تسليمه للموروث . والتحقيق في المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق : حق للّه ، وحق للمظلوم المقتول ، وحق للوليّ . فإذا سلّم القاتل نفسه طوعا واختيارا إلى الوليّ ، ندما على ما فعل ، وخوفا من اللّه ، وتوبة نصوحا - فقطع حق اللّه بالتوبة ، وحق الوليّ بالاستيفاء أو الصلح أو العفو ، وبقي حق المقتول يعوضه اللّه عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ، ويصلح بينه وبينه ، فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا . فصل ومن العلماء من اختار التوقف في هذا المقام . منهم الإمام أبو عبد اللّه محمد بن المرتضى اليمانيّ . فإنه قال في كتابه ( إيثار الحق ) في ( بحث الوعد والوعيد ) . ما نصه : لا شك أن الاستثناء من الوعد والوعيد ، وتخصيص العمومات بالأدلة المتصلة والمنفصلة مقبول . إما على جهة الجمع ، ولا شك في جوازه وصحته وحسنه ، والإجماع على ذلك وكثرة وقوعه من سلف الأمة وخلفها . بل لا شك في تقديمه في الرتبة والبداية بذلك قبل الترجيح . فإن تعذر الجمع فالترجيح . فإن وضح عمل به . فإن لم يتضح وجب الوقف لقوله تعالى : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ