محمد جمال الدين القاسمي
272
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
بعض أهل المعاصي . نحو : من قتل نفسه . وهو يبني العام على الخاص . وبما قررناه يلوح لك انتهاض القول بقبول توبة القاتل إذا تاب ، وعدم خلوده في النار إذا لم يتب . ويتبيّن لك أيضا أنه لا حجة فيما احتج به ابن عباس من أن آية الفرقان مكية منسوخة بقوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً . . . الآية . كما أخرج ذلك عنه البخاريّ ومسلم وغيرهما . وكذلك لا حجة له فيما أخرجه النسائي « 1 » والترمذيّ « 2 » عنه : أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : يجيء المقتول متعلقا بالقاتل يوم القيامة ، ناصيته ورأسه بيده ، وأوداجه تشخب دما . يقول : يا رب ! قتلني هذا . حتى يدنيه من العرش . وفي رواية للنسائيّ « 3 » فيقول : أي رب ! سل هذا فيم قتلني ؟ لأن غاية ذلك وقوع المنازعة بين يدي اللّه عز وجل . وذلك لا يستلزم أخذ التائب بذلك الذنب . ولا تخليده في النار ، على فرض عدم التوبة . والتوبة النافعة ، هاهنا ، هي الاعتراف بالقتل عند الوارث ، إن كان له وارث . أو السلطان ، إن لم يكن له وارث . والندم على ذلك الفعل ، والعزم على ترك العود إلى مثله . لا مجرد الندم والعزم ، بدون اعتراف . وتسليم للنفس أو الدية إن اختارها مستحقها . لأن حق الآدميّ لا بدّ فيه من أمر زائد على حقوق اللّه . وهو تسليمه أو تسليم عوضه بعد الاعتراف به . فإن قلت : فعلى ما تحمل حديث أبي هريرة وحديث معاوية المذكورين في أول الباب ؟ فإن الأول يقضي بأن القاتل أو المعين على القتل يلقى اللّه مكتوبا بين عينيه : الإياس من الرحمة . والثاني يقضي بأن ذنب القتل لا يغفره اللّه - قلت هما محمولان على عدم صدور التوبة من القاتل . والدليل على هذا التأويل ، ما في الباب من الأدلة القاضية بالقبول عموما وخصوصا . ولو لم يكن من ذلك إلا حديث الرجل القاتل للمائة ، الذي تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب . وحديث عبادة بن الصامت المذكور قبله . فإنهما يلجئان إلى المصير إلى ذلك التأويل . ولا سيما مع ما قدمنا من تأخر تاريخ حديث عبادة . ومع كون الحديثين في الصحيحين . بخلاف حديث أبي هريرة ومعاوية . وأيضا في حديث معاوية نفسه ما يرشد إلى هذا التأويل . فإنه جعل الرجل القاتل عمدا مقترنا بالرجل الذي يموت كافرا . ولا شك أن الذي يموت كافرا مصرّا على ذنبه غير تائب منه ، من المخلدين في
--> ( 1 ، 3 ) أخرجه النسائيّ في : تحريم الدم ، 2 - باب تعظيم الدم . ( 2 ) أخرجه الترمذيّ في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 15 - حدثنا الحسن بن محمد الزعفرانيّ .