محمد جمال الدين القاسمي
268
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ . . . إلى قوله : مُهاناً . فقال المشركون : وما يغني عنا الإسلام ، وقد عدلنا باللّه ، وقد قتلنا النفس التي حرم اللّه ، وأتينا الفواحش ؟ فأنزل اللّه تعالى : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً . . . [ الفرقان : 70 ] ، إلى آخر الآية . زاد في رواية : فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا توبة له . أخرجاه في الصحيحين . وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه أنه ناظر ابن عباس في هذه الآية فقال : من أين لك أنها محكمة ؟ فقال ابن عباس : تكاثف الوعيد فيها . وقال ابن مسعود : إنها محكمة ، وما تزداد إلا شدة . وعن خارجة بن زيد قال : سمعت زيد بن ثابت يقول : أنزلت هذه الآية : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها ، بعد التي في الفرقان : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، بستة أشهر . أخرجه أبو داود والنسائيّ ، وزاد النسائيّ في رواية : بثمانية أشهر . وقال زيد بن ثابت : لما نزلت هذه الآية في الفرقان : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ ، عجبنا من لينها . فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت الغليظة بعد الليّنة . فنسخت اللينة . وأراد بالغليظة هذه الآية التي في سورة النساء . وباللينة آية الفرقان . وذهب الأكثرون من علماء السلف والخلف إلى أن هذه الآية منسوخة . واختلفوا في ناسخها . فقال بعضهم : نسختها التي في الفرقان . وليس هذا بالقويّ . لأن آية الفرقان نزلت قبل آية النساء . والمتقدم لا ينسخ المتأخر . وذهب جمهور من قال بالنسخ إلى أن ناسخها الآية التي في النساء أيضا . وهي قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ * [ النساء : 48 ] ، وأجاب ، من ذهب إلى أنها منسوخة ، عن حديث ابن عباس المتقدم المخرّج في الصحيحين : بأن هذه الآية خبر عن وقوع العذاب بمن فعل ذلك الأمر المذكور في الآية . والنسخ لا يدخل الأخبار . ولئن سلمنا أنه يدخلها النسخ ، لكن الجمع بين الآيتين ممكن بحيث لا يكون بينهما تعارض . وذلك بأن يحمل مطلق آية النساء على تقييد آية الفرقان . فيكون المعنى : فجزاؤه جهنم إلا من تاب . وقال بعضهم : ما ورد عن ابن عباس إنما هو على سبيل
--> في قوله تعالى : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ، وقوله : وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ . . حتى بلغ إِلَّا مَنْ تابَ . فسألته فقال : لما نزلت قال أهل مكة : فقد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأتينا الفواحش . فأنزل الله : إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً - إلى قوله : غَفُوراً رَحِيماً .