محمد جمال الدين القاسمي

26

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 4 ] وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ( 4 ) وَآتُوا أي أعطوا النِّساءَ أي اللاتي أمر بنكاحهن صَدُقاتِهِنَّ أي مهورهن ( جمع صدقة كسمرة ) وهي المهر نِحْلَةً أي عطاء غير مستردّ بحيلة تلجئهن إلى الرد . والنحلة ( بكسر النون وضمها ، على ما رواه ابن دريد ) اسم مصدر ل ( نحل ) . والمصدر النحل ( بالضم ) وهو العطاء بلا عوض . والتعبير عن إيتاء المهور بالنحلة ، مع كونها واجبة على الأزواج ، لإفادة معنى الإيتاء عن كمال الرضا وطيب الخاطر . فائدتان : الأولى - هذا الخطاب إما للأزواج ، كما روي عن علقمة والنخعيّ وقتادة ، واختاره الزجاج . فإن ما قبله خطاب للناكحين وهم الأزواج . وإما لأولياء النساء . وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئا . ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت : هنيئا لك النافجة . ومعناه إنك تأخذ مهرها إبلا فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه . وقال ابن الأعرابيّ : النافجة ما يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته . فنهى اللّه تعالى عن ذلك وأمر بدفع الحق إلى أهله . وهذا قول الكلبيّ وأبي صالح . واختيار الفراء وابن قتيبة . الثانية - قال القفال رحمه اللّه تعالى : يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة . ويحتمل أن يكون المراد الالتزام . قال تعالى : حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ [ التوبة : 29 ] . والمعنى حتى يضمنوها ويلتزموها . فعلى هذا الوجه الأول ، كان المراد أنهم أمروا بدفع المهور التي قد سموها لهن . وعلى التقدير الثاني كان المراد أن الفروج لا تستباح إلا بعوض يلزم . سواء سمي ذلك أو لم يسم . إلا ما خص به الرسول صلى اللّه عليه وسلم في الموهوبة . ثم قال رحمه اللّه : ويجوز أن يكون الكلام جامعا للوجهين معا . واللّه أعلم . فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً الضمير للصدقات . وتذكيره لإجرائه مجرى ذلك . أي فإن أحللن لكم من المهر شيئا بطيبة النفس ، جلبا لمودتكم ، لا لحياء