محمد جمال الدين القاسمي

257

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الزهريّ عن عبيد اللّه بن عبد اللّه عن رجل من الأنصار ؛ أنه جاء بأمة سوداء . فقال : يا رسول اللّه ! إن عليّ عتق رقبة مؤمنة . فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها . فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أتشهدين أن لا إله إلا اللّه ؟ قالت : نعم . قال : أتشهدين أني رسول اللّه ؟ قالت : نعم . قال : أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت : نعم . قال : أعتقها . وهذا إسناد صحيح ، وجهالة الصحابيّ لا تضرّه . و في موطأ مالك « 1 » ومسند الشافعيّ وأحمد وصحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائيّ عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء ، قال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أين اللّه ؟ قالت : في السماء . قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة . أفاده ابن كثير . لطيفتان : الأولى - قال الزمخشريّ : التحرير : الإعتاق . والحر والعتيق : الكريم . لأن الكرم في الأحرار ، كما أن اللؤم في العبيد . ومنه عتاق الخليل وعتاق الطير لكرامها . وحرّ الوجه أكرم موضع منه . وقولهم للئيم : عبد ، وفلان عبد الفعل ، أي : لئيم الفعل . والرقبة عبارة عن النسمة ، كما عبر عنها بالرأس في قولهم : فلان يملك كذا رأسا من الرقيق . الثانية - قيل في حكمة الإعتاق : إنه لما أخرج نفسا مؤمنة من جملة الأحياء ، لزمه أن يدخل نفسا مثلها في جملة الأحرار . لأن إطلاقها من قيد الرق كإحيائها . من قبل أن الرقيق ملحق بالأموات . إذ الرق من آثار الكفر . والكفر موت حكما : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [ الأنعام : 122 ] . ولهذا منع من تصرف الأحرار . وهذا مشكل . إذ لو كان كذلك لوجب في العمد أيضا . لكن يحتمل أن يقال : إنما وجب عليه ذلك ، لأن اللّه تعالى أبقى للقتال نفسا مؤمنة حيث لم يوجب القصاص . فأوجب

--> ( 1 ) أخرجه في الموطأ : العتق والولاء ، حديث 8 عن عمر بن الحكم أنه قال : أتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت : يا رسول الله : إن جارية كانت ترعى غنما لي . فجئتها وقد فقدت شاة من الغنم . فسألتها عنها فقالت : أكلها الذئب فأسفت عليها ، وكنت من بني آدم فلطمت وجهها . وعليّ رقبة أفأعتقها ؟ فقال لها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أين اللّه ؟ » فقالت : في السماء . فقال « من أنا ؟ » فقالت : أنت رسول الله . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أعتقها » . و أخرجه أحمد في المسند ( ضمن حديث طويل ) 5 / 447 . وفيه قال « أعتقها فإنها مؤمنة » وقال مرة « هي مؤمنة فأعتقها » .