محمد جمال الدين القاسمي

251

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

بعد أن خرجوا . كما تقدم في آل عمران . كما أوضحه الشيخان « 1 » والإمام أحمد والترمذيّ عن زيد بن ثابت : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى أحد . فرجع ناس خرجوا معه . فكان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيهم فرقتين : فرقة تقول : نقتلهم . وفرقة تقول : لا . هم المؤمنون . فأنزل اللّه : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث الحديد . هذا لفظ أحمد . وقد ذكر الإمام محمد بن إسحاق في وقعة أحد : أن عبد اللّه بن أبيّ ، ابن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش : رجع بثلاثمائة وبقي النبيّ صلى اللّه عليه وسلم في سبعمائة . وثمة في نزول الآية رواية أخرى أخرجها الإمام أحمد « 2 » في مسنده عن عبد الرحمن بن عوف : أن قوما من العرب أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة فأسلموا وأصابهم وباء المدينة وحمّاها . فأركسوا . فخرجوا من المدينة . فاستقبلهم نفر من أصحابه . يعني النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . فقالوا لهم : ما لكم رجعتم ؟ قالوا : أصابنا وباء المدينة . فقالوا : أما لكم في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسوة حسنة ؟ فقال بعضهم : نافقوا . وقال بعضهم : لم ينافقوا . فأنزل اللّه : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ . . . الآية . وهذه الرواية هي الأقرب لنظم الآية كما سنبينه في التنبيه الثاني وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ أي نكّسهم وردهم إلى الكفر بِما كَسَبُوا أي : بسبب ما كسبوه من لحوقهم بالكفار أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي : تعدّوهم من جملة المهتدين . قال أبو السعود : تجريد للخطاب وتخصيص له بالقائلين بإيمانهم من الفئتين ، وتوبيخ لهم على زعمهم ذلك ، وإشعار بأنه يؤدي إلى محاولة المحال الذي هو هداية من أضله اللّه تعالى . وذلك لأن الحكم بإيمانهم وادعاء اهتدائهم ، وهم بمعزل عن ذلك ، سعي في هدايتهم وإرادة لها . ووضع الموصول موضع ضمير المنافقين لتشديد الإنكار وتأكيد استحالة الهداية بما

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 15 - باب فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ، حديث 956 . والإمام أحمد في المسند 5 / 184 . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في مسنده 1 / 192 ، ونصه : عن عبد الرحمن بن عوف أن قوما من العرب أتوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم المدينة فأسلموا . وأصابهم وباء المدينة : حمّاها . فأركسوا فخرجوا من المدينة فاستقبلهم نفر من أصحابه ( يعني أصحاب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ) فقالوا لهم : ما لكم رجعتم ؟ قالوا : أصابنا وباء المدينة فاجتوينا المدينة . فقالوا : أما لكم في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسوة ؟ فقال بعضهم : نافقوا . وقال بعضهم : لم ينافقوا هم مسلمون . فأنزل اللّه عز وجل : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا . . . الآية .