محمد جمال الدين القاسمي
24
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
أربع . ليكثر نسلهم ، فيكثر عدد النابغين ، الذين بهم وحدهم تتم الأعمال الكبيرة في هذه الدنيا . فهو من مكتشفات هذا الدين الاجتماعية . وقد جعل رضاهن بذلك شرطا له لئلا يكون فيه إجحاف بحقوقهن . والعاقلة من النساء تفضل أن تكون زوجة لنابغة من الرجال - وإن كان ذا زوجات أخر - على أن تكون زوجة لرجل أحمق ، وإن اقتصر عليها . لأنها تعلم أن أولادها من الأول ينجبون أكثر منهم من الثاني . وأما غير النابغين منهم فإن الدين يمنعهم من نكاح أكثر من واحدة ، لئلا يكثر نسلهم . قال اللّه تعالى في كتابه المبين يخاطب المؤمنين : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً الخطاب في هذه الآية لعموم الأمة . فهي تأذن لكل أحد من المسلمين أن يتزوج بأكثر من واحدة من النساء إلى أربع . إذا آنس من نفسه القدرة على العدل بينهن . وإلا وجب عليه الاقتصار على واحدة لئلا يجور عليهن . والقدرة على العدل بين أربع من النساء ، متوقف على عقل كبير وسياسة في الإدارة وحكمة بالغة في المعاملة ، لا تتأتى إلا لمن كان نابغة بين الرجال ، ذا مكانة من العقل ترفعه على أقرانه . والرجل النابغة ، إذا تزوج بأكثر من واحدة ، كثر نسله فكثر النوابغ . والشعب الذي يكثر نوابغه أقدر على الغلبة في تنازع البقاء من سائر الشعوب . كما يدلنا عليه التاريخ . ثم خاطب اللّه ، في مكان آخر ، الخائفين أن لا يعدلوا بين النساء ؛ وهم غير النوابغ من المسلمين ، بقوله : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ . فأمرهم في هذه الآية ، التي هي في المعنى تتمة للأولى ، أن لا يقترنوا بأكثر من واحدة لأنهم في درجة من العقل هي دون درجة النابغين ، لن يستطيعوا معها إتيان العدل بين النساء ، المتوقف على عقل كبير يسهل لصاحبه أن يرضيهن جمعاء . كما يأتيه النابغون والدهاة من الناس . وحرم على هؤلاء ، الذين لم يجوزوا المقدرة على العدل ، التزوج بأكثر من واحدة . لئلا يقع الظلم من الرجال على النساء . وهو كثير الصدور من الأوساط ومن كان دونهم في سلم الارتقاء . ولئلا يكثر نسل غير النابغين . وهو الأهم . فتبقى الأمة في مكانها من الانحطاط . وقد تقدم أن الخطاب في قوله تعالى : فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ في الآية الأولى لعموم الأمة . غير أن الشرط بالعدل جعله خاصّا بالعادلين منهم . وهم النابغون الذين يقتدرون على إتيان العدل بين النساء لوفور عقلهم . والغاية من أمر هذا الصنف من المسلمين أن يتزوجوا بأكثر من واحدة إلى أربع ، هو تكثير نسلهم ليستفيد من كثرة أمثالهم المجتمع ، كما أسلفنا . ولكن النابغة لا يأتي نسله في الغالب نوابغ ، بمجرد تعدد الزوجات . فإن الزوجة المتوسطة أو المنحطة يكون