محمد جمال الدين القاسمي
229
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
الذي لأجله تكرهون القتال ، زعما منكم أنه من مظانه . وتحبون القعود عنه ، على زعم أنه منجاة منه . أي : وإذا كان لا بد من الموت ، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسعادة الأبدية ، كان أولى من أن لا يكون كذلك . ونظير هذه الآية قوله تعالى : قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا [ الأحزاب : 16 ] . وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ أي حصون مُشَيَّدَةٍ أي : مرفوعة مستحكمة . لا يصل إليها القاتل الإنسانيّ . لكنها لا تمنع القاتل الإلهيّ . كما قال زهير بن أبي سلمى : ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * ولو رام أسباب السماء بسلّم وقد ذكر ابن جرير « 1 » وابن أبي حاتم هاهنا حكاية مطولة عن مجاهد . والشاهد منها هنا ؛ أنها كانت أخبرت بأنها تموت بالعنكبوت . فاتخذ لها زوجها قصرا منيعا شاهقا ليحرزها من ذلك . فبينما هم يوما فإذا العنكبوت في السقف . فأراها إياها فقالت : أهذه التي تحذرها عليّ ؟ واللّه ! لا يقتلها إلا أنا . فأنزلوها من السقف . فعمدت إليها فوطئتها بإبهام رجلها فقتلتها . فطار من سمّها شيء فوقع بين ظفرها ولحمها . واسودت رجلها . فكان في ذلك أجلها . فماتت . ولما حكى تعالى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد . خائفين من الموت ، غير راغبين في سعادة الآخرة ، أتبع ذلك بخلّة لهم أشنع ، بقوله سبحانه وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ كخصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحوها يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي من قبله ، لما علم فينا الخير وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ كقحط وجدب ، وغلاء السعر ، ونقص في الزروع والثمار ، وموت أولاد ونتاج ، ونحو ذلك يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ يعنون : من شؤمك . كما قال تعالى عن قوم فرعون : فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ [ الأعراف : 131 ] . وعن قوم صالح : قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ [ النمل : 47 ] . قال أبو السعود : فأمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بأن يرد زعمهم الباطل ويرشدهم إلى الحق ويلقمهم الحجر ، ببيان إسناد الكل إليه تعالى على الإجمال . إذ لا يجترءون على معارضة أمر اللّه عز وجل حيث قيل قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي كل واحدة من النعمة والبلية من جهة اللّه تعالى ، خلقا وإيجادا ، من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء
--> ( 1 ) الأثر رقم 9958 .