محمد جمال الدين القاسمي

227

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

الصحابة المهاجرين وأنهم كانوا يلقون من مشركي مكة ، قبل الهجرة ، أذى شديدا . فيشكون ذلك إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، ويقولوا : ائذن لنا في قتالهم . فيقول لهم النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : كفوا أيديكم . فإني لم أومر بقتالهم . واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة . ثم بعد الهجرة إلى المدينة ، لما أمروا بقتالهم في وقعة بدر ، كرهه بعضهم ، فنزلت الآية . وعندي أن هذه الآية كسوابقها نزلت في المنافقين ، تقريعا لهم وتحذيرا للمخلصين ، من شاكلتهم . والقول بنزولها في بعض المؤمنين لا يصح لوجوه : منها - أن في إسنادها عن ابن عباس من ليس على شرط الصحيح ومنها - أن طلبهم للجهاد وهم في مكة ، مع قلة العدد والعدد ، وممالأة العدوّ عليهم من كل جانب - في غاية البعد . ومنها - أن السياق في المنافقين : وقد ابتدئ الكلام في شأنهم من قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ - إلى قوله تعالى الآتي - فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ . . . الآية . كما يظهر من التدبر الصادق . ومنها - أن هذا السياق اشتمل على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين . لأنه تعالى قال في وصفهم : يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ولا يكون هذا الوصف إلا لكافر أو منافق . وحكى تعالى عنهم أنهم قالوا : رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ ولم يعهد هذا عن المؤمنين ، بل المحفوظ مبادرتهم للجهاد . كما روى ابن إسحاق في ( السيرة ) أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم استشار الناس في غزوة بدر . فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن . ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن . ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ! امض لما أراك اللّه . فنحن معك . واللّه ! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ [ المائدة : 24 ] . ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا ، إنا معكما مقاتلون . فوالذي بعثك بالحق ! لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه . ثم قال سعد بن معاذ : امض ، يا رسول اللّه ! لما أردت ، فنحن معك . فوالذي بعثك بالحق ! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك . ما تخلف منا رجل واحد . وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا . إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء . ومنها - أنه تعالى ذكر بعد ذلك قوله : إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ [ النساء : 78 ] . ولا شك أن هذا من كلام المنافقين . ثم صرح تعالى في آخر الكلام عليهم بقوله : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ . فزال اللبس وبرح الخفاء .