محمد جمال الدين القاسمي
224
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وإنما ذكر ( الولدان ) معهم ، تكميلا للاستعطاف واستجلاب المرحمة ، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين . بحيث بلغ أذاهم الصبيان . وإيذانا بإجابة الدعاء الآتي بسبب مشاركتهم في الدعاء الَّذِينَ يَقُولُونَ من إيذاء أهل مكة وإذلالهم إياهم ، متبرئين من المقام بها رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها أي : بالشرك الذي هو ظلم عظيم . وبأذية المسلمين . وهي مكة . و ( الظالم ) صفتها . وتذكيره لتذكير ما أسند إليه . فإن اسم الفاعل والمفعول إذا أجري على غير من هو له ، كان كالفعل في التذكير والتأنيث ، بحسب ما عمل فيه . قاله أبو السعود . وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا أي : سخر لنا من عندك حافظا يحفظ علينا ديننا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً ناصرا يدفع عنا أذيّات أعدائنا . أو المعنى : واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة . أي : لتكن أنت ولينا وناصرنا . وقد استجاب اللّه عز وجل دعاءهم حيث يسرّ لبعضهم الخروج إلى المدينة . وجعل لمن بقي منهم خير وليّ وأعزّ ناصر . ففتح مكة على نبيه صلى اللّه عليه وسلم . فتولّاهم أيّ تولّ ، ونصرهم أية نصرة ، حتى صاروا أعزّ أهلها . وروى البخاريّ « 1 » بالسند إلى ابن عباس قال : كنت أنا وأمي من المستضعفين . وبه إليه قال « 2 » : كانت أمي ممن عذر اللّه . قال الرازيّ : معنى الآية : لا عذر لكم في ترك المقاتلة . وقد بلغ حال المستضعفين من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف . فهذا حث شديد على القتال ، وبيان العلة التي صار لها القتال واجبا . وهو ما في القتال من تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة . لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير . انتهى . تنبيه : قال بعض المفسرين : ثمرة هذه الآية تأكيد لزوم الجهاد . لأنه تعالى وبخ على تركه . وتدل الآية على لزوم استنقاذ المسلم من أيدي الكفار . ويأتي مثل هذا استنقاذه من كل مضرة ، من ظالم أو لص وغير ذلك . ووجه مأخذ ذلك ، أنه تعالى جعل ذلك كالعلم للانقطاع إليه . وتدل على أن حكم الولدان حكم الآباء ، لأن الظاهر أنه أراد الصغار .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 14 - باب قوله : وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، حديث 715 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 4 - سورة النساء ، 8 - باب إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ، حديث 715 .