محمد جمال الدين القاسمي

186

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال ابن كثير : وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عن السدّي مرسلا . ورواه ابن مردويه عن السدّيّ عن أبي صالح عن ابن عباس . فذكره بنحوه . ولا تنافي بين الروايتين لما أسلفناه في مقدمة التفسير في بحث سبب النزول . فتذكر . وقال الزمخشريّ : المراد بأولي الأمر منكم ، أمراء الحق . لأن أمراء الجور ، اللّه ورسوله بريئان منهم ، فلا يعطفون على اللّه ورسوله في وجوب الطاعة لهم ، وإنما يجمع بين اللّه ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما . كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان . وكان الخلفاء يقولون : أطيعوني ما عدلت فيكم فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم . وفي الصحيحين « 1 » عن عليّ رضي اللّه عنه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنما الطاعة في المعروف » . وروى الإمام أحمد « 2 » عن عمران بن حصين عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا طاعة في معصية اللّه » . لطيفة : قال الحافظ ابن حجر في ( الفتح ) : النكتة في إعادة العامل في الرسول دون أولي الأمر ، مع أن المطاع في الحقيقة هو اللّه تعالى - كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسنة . فكان التقدير : وأطيعوا اللّه فيما قضى عليكم في القرآن ، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن وما ينصه عليكم من السنة . والمعنى : أطيعوا اللّه فيما يأمركم به من الوحي المتعبّد بتلاوته . وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن . ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية . لما قال له : أليس اللّه أمركم أن تطيعونا في قوله : وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ؟ فقال له : أليس قد نزعت

--> ( 1 ) أخرجه في : الأحكام ، 4 - باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ، حديث 1933 ونصه : عن عليّ رضي اللّه عنه قال : بعث النبيّ صلى اللّه عليه وسلم سرية وأمّر عليهم رجلا من الأنصار . وأمرهم أن يطيعوه . فغضب عليهم وقال : أليس قد أمر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أن تطيعوني ؟ قالوا : بلى . قال : قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ثم دخلتم فيها . فجمعوا حطبا فأوقدوا ( نارا ) فلما هموا بالدخول فقام ينظر إلى بعض . قال بعضهم : إنما تبعنا النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فرارا من النار ، أفندخلها ؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه . فذكر النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال « لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا . إنما الطاعة في المعروف » . ( 2 ) أخرجه في المسند 4 / 426 .