محمد جمال الدين القاسمي

184

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ولينظر تتمة هذا البحث في الرسالة المذكورة . فإن الوقوف عليها من المهمات . إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ أي نعم ما يأمركم به من أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة . و ( ما ) إما منصوبة موصوفة ب ( يعظكم ) أو مرفوعة موصولة . كأنه قيل نعم شيئا يعظكم به . أو نعم الشيء الذي يعظكم به . والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها متضمنة لمزيد لطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال بالأمر إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً لأقوالكم في الأمانات والأحكام بَصِيراً بأفعالكم فيهما . فإن سمع ورأى خيرا جازاكم عليه خير الجزاء . وإن سمع ورأى شرّا جازاكم عليه . فهو وعد ووعيد . وروى ابن أبي حاتم بسنده عن أبي يونس قال : سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها إلى قوله - سَمِيعاً بَصِيراً . ويضع إبهامه على أذنه ، والتي تليها على عينه ويقول : هكذا سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقرؤها ويضع إصبعه . وقال أبو زكريا : وصفه لنا المقري ووضع أبو زكريا إبهامه الأيمن على عينه اليمنى . والتي تليها على الأذن اليمنى . وأرانا ، فقال : هكذا . وهكذا رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وابن مردويه في تفسيره . وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة . واسمه سليم بن جبير . أفاده ابن كثير . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 59 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( 59 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ اعلم أنه تعالى ، لما أمر الرعاة والولاة بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل ، أمر الرعية من الجيوش وغيرهم بطاعة أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك . إلا أن يأمروا بمعصية اللّه فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . قال الرازيّ : قال عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه : حقّ على الإمام أن يحكم بما أنزل اللّه ويؤدي الأمانة . فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا . وقد روى الطبريّ « 1 » بسند صحيح عن أبي هريرة : إن أولي الأمر هم الأمراء . واحتج له

--> ( 1 ) الأثر رقم ر 9856 .