محمد جمال الدين القاسمي
158
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
ورسوله صلى اللّه عليه وسلم - للذي هو في غاية الامتناع شرعا . كقوله تعالى : وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً [ مريم : 92 ] . وقوله : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [ يس : 69 ] . وقوله : وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ وَما يَنْبَغِي لَهُمْ [ الشعراء : 210 - 211 ] . وقوله عن الملائكة : ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ [ الفرقان : 18 ] . فصل ومن الشرك به سبحانه الشرك به في اللفظ . كالحلف بغيره . كما رواه أحمد « 1 » وأبو داود عنه صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « من حلف بشيء دون اللّه فقد أشرك » . وصححه الحاكم وابن حبان . ومن ذلك قول القائل للمخلوق : ما شاء اللّه وشئت . كما ثبت عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « 2 » « أنه قال له رجل : ما شاء اللّه وشئت . قال : أجعلتني للّه ندّا ؟ قل : ما شاء اللّه وحده » . وهذا ، مع أن اللّه قد أثبت للعبد مشيئة ، كقوله : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ [ التكوير : 28 ] - فكيف من يقول : أنا متوكل على اللّه وعليك ؟ وأنا في حسب اللّه وحسبك ؟ وما لي إلا اللّه وأنت ؟ وهذا من اللّه ومنك ؟ وهذا من بركات اللّه وبركاتك ؟ واللّه لي في السماء وأنت لي في الأرض ؟ أو يقول : واللّه ! وحياة فلان . أو يقول : نذرا للّه ولفلان . وأنا تائب للّه ولفلان . وأرجو اللّه وفلانا ونحو ذلك . فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل : ما شاء اللّه وشئت ، ثم انظر أيهما أفحش ؟ يتبين لك أن قائلها أولى لجواب النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لقائل تلك الكلمة . وأنه إذا كان قد جعله ندّا للّه بها ، فهذا قد جعل من لا يداني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في شيء من الأشياء ، بل لعله أن يكون من أعدائه ، ندّا لرب العالمين . فالسجود والعبادة ، والتوكل والإنابة ، والتقوى والخشية ، والتحسب والتوبة ، والنذر والحلف ، والتسبيح والتكبير ، والتهليل والتحميد ، والاستغفار وحلق الرأس ، خضوعا وتعبدا ، والطواف بالبيت ، والدعاء - كل ذلك محض حق اللّه . لا يصلح ولا ينبغي لسواه ، من ملك مقرب ولا نبيّ مرسل . وفي مسند الإمام أحمد « 3 » أن رجلا أتي به إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قد أذنب ذنبا . فلما وقف بين يديه قال : اللهم ! إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد . قال : قد عرف الحق لأهله .
--> ( 1 ) أخرجه في المسند 1 / 47 . ( 2 ) أخرجه في المسند 1 / 214 . ونصه : عن ابن عباس أن رجلا قال للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم : ما شاء اللّه وشئت . فقال له النبيّ صلى اللّه عليه وسلم « أجعلتني واللّه عدلا ؟ بل ما شاء الله وحده » . ( 3 ) أخرجه في المسند 3 / 435 .