محمد جمال الدين القاسمي
148
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
تؤثر بقوة أودعها اللّه فيها فهو فاسق . انتهى . وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ أي ما دون الشرك من المعاصي ، صغيرة كانت أو كبيرة لِمَنْ يَشاءُ تفضلا منه وإحسانا . قال ابن جرير : وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة اللّه عز وجل . إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه عليه . ما لم تكن كبيرته شركا باللّه عز وجل . وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلا منه ورحمة . وإن لم يقع من ذلك المذنب توبة . وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة . وقد تقدم قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [ النساء : 31 ] . وهي تدل على أن اللّه سبحانه يغفر سيئات من اجتنب الكبائر . فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء اللّه غفران سيئاته . ولذا قال الرازيّ : هذه الآية من أقوى الدلائل لنا على العفو عن أصحاب الكبائر . ثم جوّد وجوه الاستدلال . ومنها : أن ما سوى الشرك يدخل فيه الكبيرة قبل التوبة . ومنها أن غفران الكبيرة بعد التوبة وغفران الصغيرة مقطوع به وغير معلق على المشيئة . فوجب أن يكون الغفران المذكور ، في هذه الآية ، هو غفران الكبيرة قبل التوبة . وهو المطلوب . وأول الزمخشريّ هذه الآية على مذهبه : بأن الفعل المنفيّ والمثبت جميعا ، موجّهان إلى قوله تعالى لِمَنْ يَشاءُ على قاعدة التنازع . كأنه قيل : إن اللّه لا يغفر لمن يشاء الشرك ، ويغفر لمن يشاء ما دون الشرك . على أن المراد بالأول من لم يتب وبالثاني من تاب . قال : ونظيره قولك : إن الأمير لا يبذل الدينار ويبذل القنطار لمن يشاء . تريد لا يبذل الدينار لمن لا يستأهله ، ويبذل القنطار لمن يستأهله . انتهى . قال ناصر الدين في ( الانتصاف ) : عقيدة أهل السنة أن الشرك غير مغفور البتة . وما دونه من الكبائر مغفور لمن يشاء اللّه أن يغفره له . هذا مع عدم التوبة . وأما مع التوبة فكلاهما مغفور . والآية إنما وردت فيمن لم يتب ولم يذكر فيها توبة كما ترى . فلذلك أطلق اللّه تعالى نفي مغفرة الشرك وأثبت مغفرة ما دونه مقرونة بالمشيئة ، كما ترى . فهذا وجه انطباق الآية على عقيدة أهل السنة . وأما القدرية فإنهم يظنون التسوية بين الشرك وبين ما دونه من الكبائر . في أن كل واحد من النوعين لا يغفر بدون التوبة ، ولا شاء اللّه أن يغفرهما إلا للتائبين . فإذا عرض الزمخشريّ هذا المعتقد على هذه الآية ردته ونبت عنه . إذ المغفرة منفية فيها عن الشرك وثابتة لما دونه مقرونة بالمشيئة فأما أن يكون المراد فيهما من لم يتب ، فلا وجه للتفصيل بينهما بتعليق المغفرة في أحدهما بالمشيئة وتعليقها بالآخر مطلقا . إذ هما سيّان في استحالة المغفرة . وأما أن يكون المراد فيهما التائب فقد قال في