محمد جمال الدين القاسمي

144

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال الرازيّ : وهذا المعنى إنما جعله اللّه عقوبة لما فيه من التشويه في الخلقة والمثلة والفضيحة . لأن عند ذلك يعظم الغم والحسرة أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ أي : أو نفعل بهم أبلغ من ذلك . وهو أن نطردهم عن الإنسانية بالمسخ الكليّ جزاء على اعتدائهم بترك الإيمان . كما أخزينا به أوائلهم أصحاب السبت جزاء على اعتدائهم على السبت بالحيلة على الاصطياد . فمسخناهم قردة وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ أي ما أمر به مَفْعُولًا أي نافذا كائنا لا محالة . هذا وفي الآية تأويل آخر . وهو أن المراد من طمس الوجوه مجازه . وهو صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلالة . يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم . قال ابن كثير : وهذا كما قال بعضهم في قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [ يس : 8 - 9 ] : أي هذا مثل سوء ضربه اللّه لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى . قال مجاهد : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً ، يقول : عن صراط الحق . فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أي في الضلال . قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عباس والحسن نحو هذا . قال السديّ : فنردّها على أدبارها : فنمنعها عن الحق ، نرجعها كفارا . قال الرازيّ : والمقصود على هذا بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلالات . ونظيره قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [ الأنفال : 24 ] . تحقيق القول فيه أن الإنسان في مبدأ خلقته ألف هذا العالم المحسوس . ثم إنه عند الفكر والعبودية كأنه يسافر من عالم المحسوسات إلى عالم المعقولات . فقدامه عالم المعقولات ، ووراءه عالم المحسوسات . فالمخذول هو الذي يرد عن قدامه إلى خلفه . كما قال تعالى في صفتهم : ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ [ السجدة : 12 ] . ثم قال الرازيّ : قال عبد الرحمن بن زيد : هذا الوعيد قد لحق اليهود ومضى . وتأول ذلك في إجلاء قريظة والنضير إلى الشام . فرد اللّه وجوههم على أدبارهم حين عادوا إلى أذرعات وأريحاء ، من أرض الشام . كما جاءوا منها و ( طمس الوجوه ) على هذا التأويل يحتمل معنيين : أحدهما - تقبيح صورتهم . يقال : طمس اللّه صورته ،