محمد جمال الدين القاسمي

136

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وقال الحافظ ابن حجر أيضا في قول أسيد ( ما هي بأول بركتكم ) : يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك . فيقوّي قول من ذهب إلى تعدد ضياع العقد . وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأخباريّ فقال : سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وفي غزوة بني المصطلق . وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال : لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع . . . الحديث . فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق . لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة ، وهي بعدها بلا خلاف قال : وسيأتي في المغازي أن البخاريّ يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى ، وقدومه كان في وقت إسلام أبي هريرة . ومما يدل على تأخر القصة أيضا عن قصة الإفك ، ما رواه الطبرانيّ من طريق عباد بن عبد اللّه بن الزبير عن عائشة قالت : لما كان من أمر عقدي ما كان وقال أهل الإفك ما قالوا ، خرجت مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدي حتى حبس الناس على التماسه . فقال لي أبو بكر : يا بنية ! في كل سفرة تكونين عناء وبلاء على الناس ؟ فأنزل اللّه عز وجل الرخصة في التيمم . فقال أبو بكر : إنك لمباركة ( ثلاثا ) . وفي إسناده محمد بن حميد الرازيّ وفيه مقال . وفي سياقه من الفوائد بيان عتاب أبي بكر الذي أبهم في حديث الباب ، والتصريح بأن ضياع العقد كان مرتين في غزوتين . واللّه أعلم . انتهى كلام الحافظ . وقال الإمام شمس الدين ابن القيّم في ( زاد المعاد ) في ( غزوة المريسيع ، وهي غزوة بني المصطلق ) : إنها كانت في شعبان سنة خمس . وبعد ذكرها قال : قال ابن سعد : وفي هذه الغزوة سقط عقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه ، فنزلت آية التيمم . ثم ساق حديث الطبرانيّ المتقدم وقال : هذا يدل على أن قصة العقد التي نزل التيمم لأجلها بعد هذه الغزوة . وهو الظاهر . ولكن فيها كانت قصة الإفك بسبب فقد العقد والتماسه . فالتبس على بعضهم إحدى القصتين بالأخرى . انتهى . و قد روي سبب نزول الآية المذكورة أيضا عن عمار بن ياسر رضي اللّه عنه « 1 » قال : إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عرّس بأولات الجيش ومعه عائشة فانقطع عقد لها من جزع ظفار فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر وليس مع الناس ماء . فتغيظ عليها أبو بكر . وقال : حبست الناس وليس معهم ماء ! فأنزل اللّه تعالى على رسوله صلى اللّه عليه وسلم رخصة التطهّر بالصعيد الطيب . فقام المسلمون مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فضربوا

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في : الطهارة ، 121 - باب التيمم ، حديث 320 .